تتقاطع المصائر بين عواصم الشرق الأوسط بشكل يثير الدهشة والأسى في آنٍ معاً، لكن التماهي الأبرز اليوم يتجسد في المشهدين اللبناني والعراقي. لسنوات طويلة، ظل البلدان يمثّلان نموذجاً صارخاً لـ«الدولة المنهوبة»، حيث تحولت المؤسسات والمقدرات والثروات العامة إلى مغانم تتقاسمها قوى النفوذ والطغيان السياسي تحت غطاء المحاصصة الطائفية.
إلا أن الأيام القليلة الماضية حملت مفاجأة من بغداد، أحدثت ارتدادات إيجابية واسعة على المستويين الاجتماعي والشعبي في العراق، وفتحت في الوقت ذاته جرحاً نازفاً في بيروت، حيث يراقب اللبنانيون ما يجري بنظرات ملؤها التحسر والتمنّي، سائلين: متى تنتقل عدوى المحاسبة الحقيقية إلى وطنهم المصلوب على خشبة الوعود؟
المفاجأة العراقية: عندما تتحول المحاسبة من «شعار» إلى «إجراء ميداني»
جاءت القرارات الأخيرة الصادرة عن حكومة رئيس الوزراء العراقي «علي الزيدي» لتعيد صياغة مفهوم المواجهة بين الدولة ومافيات الفساد. لم تكن الدعوة التي وجهها للمواطنين للإخبار عن الأصول والأموال العامة المتحصلة من جرائم الفساد مجرد خطبة إنشائية، بل قُرنت بإجراءات تشريعية ومالية رادعة، لعل أبرزها التوجيه بـ«منح نسبة مالية مجزية للمخبرين وفقاً للقانون».
هذا الإجراء لم يحرّك المياه الراكدة في البرك السياسية العراقية فحسب، بل نقل المعركة إلى الحاضنة الشعبية، محولاً كل مواطن إلى خفير وشريك في استرداد ثروات بلاده المنهوبة. ترافق ذلك مع إطلاق مشاريع نفطية استراتيجية عابرة للحدود بمشاركة ائتلافات دولية عملاقة، مما أعطى انطباعاً واضحاً بأن قطار بناء الدولة قد انطلق فعلياً على سكة الشفافية، بعد عقود من الهدر والضياع الجيوسياسي.
لبنان الغارق في «النكبة المتمادية»: نهب الدولة وسطو على المودعين
على الجانب الآخر من المشهد، يقبع لبنان في عتمة الانهيار الشامل. يتطلع المواطن اللبناني إلى التجربة العراقية الوليدة بحسرة لا تُخفى؛ فلبنان الذي كان يوصف يوماً بـ«سويسرا الشرق»، تحول بفعل المنظومة الحاكمة إلى نموذج لنهب المقدرات وتجفيف الضرع الوطني. ولم يقتصر الفساد في لبنان على الصفقات المشبوهة في قطاعات الكهرباء، والاتصالات، والنافعة، والمرفأ، بل توّج بجريمة العصر: «السطو الممنهج على أموال المودعين» في المصارف، بالتواطؤ بين قادة النفوذ والمنظومة المالية.
منذ انفجار الأزمة المالية الكبرى، مضت أكثر من 5 سنوات، ولم تصدر عن السلطات الحاكمة أي إجراءات فعلية للإصلاح أو المحاسبة. طار «الجنائي المالي»، وحُوصِر القضاء، وضاعت خطط التعافي في أدراج المناكفات السياسية. تحول جنى عمر اللبنانيين، مقيمين ومغتربين، إلى مجرد أرقام وهمية على شاشات البنوك، بينما يستمر أركان السلطة في العيش خلف حصاناتهم، مستهترين بآلام شعب حُرِم من أدنى مقومات العيش الكريم من طبابة، وتعليم، واستقرار.
متى يستيقظ ضمير المسؤول اللبناني؟.. المعضلة البنيوية
أمام هذا التباين، يطرح الشارع اللبناني السؤال الحارق: متى يستيقظ ضمير المسؤولين اللبنانيين؟ وهل يستيقظ أساساً؟
الجواب الواقعي، والبعيد عن المسكنات، يشير إلى أن الرهان على «الضمير الحي» في العمل السياسي اللبناني هو رهان على سراب. فالمنظومة التي تدير البلاد لا تعمل وفق منطق «الدولة والمسؤولية الأخلاقية»، بل وفق منطق «الشركة والمحاصصة».
إن الحصانة المتبادلة التي تؤمنها القوى السياسية لبعضها البعض تجعل من الصعب اختراق هذا الجدار؛ فكل طرف يمتلك أوراق ضغط ضد الطرف الآخر، مما يحول دون فتح أي ملف فساد حقيقي، لأن فتح ملف واحد كفيل بجرّ الهيكل بأكمله فوق رؤوس الجميع.
لذلك، بقيت القوانين الصادرة، مثل قانون «استعادة الأموال المنهوبة» أو «الإثراء غير المشروع»، مجرد نصوص ميتة حُرمت من المراسيم التطبيقية أو عُطلت أدوات تنفيذها عبر الضغوط السياسية على القضاة النزيهين.
«الفقاعات الإعلامية» و«المسكنات»: أسلوب حياة للمنظومة
بدلاً من الإجراءات التنفيذية الجريئة على غرار ما فعله العراق، يتقن المسؤولون في لبنان صناعة «الفقاعات الإعلامية». بعد كل جولة تفاوض، أو مؤتمر دولي، أو حتى وقفة احتجاجية لأهالي الضحايا والمودعين، تُمطر السلطة اللبنانية مواطنيها بـ:
- خطابات العفة السياسية: حيث يخرج كل زعيم ليبرئ نفسه ويلقي باللوم على «الشركاء الأفرقاء» في الوطن.
- اللجان الفضفاضة: التي تُشكَّل لـ «دراسة» الأزمات، وهي الطريقة المثلى لدفن أي قضية أو تمييعها مع مرور الوقت.
- المناكفات الطائفية: وهي السلاح الفعّال؛ فكلما اقتربت المحاسبة من خطوطهم الحمراء، عُمِد إلى شحن الشارع طائفياً لإيهام الحاضنة الشعبية بأن «الطائفة مُستهدفة»، فتضيع كرامة المواطن وحقوقه خلف المتاريس المذهبية.
إن هذه المسكنات لم تعد تنطلي على أحد، بل أصبحت عبئاً ثقيلاً يفاقم من يأس اللبنانيين ويدفع بنخبهم وشبابهم إلى الهجرة الجماعية، تاركين البلاد لقمة سائغة لمن استمرأ النهب والتعطيل.
مقارنة ومفارقة: لماذا نجح العراق وتأخر لبنان؟
تكمن المفارقة في أن العراق، الذي يعاني من تعقيدات سياسية وأمنية وتدخلات إقليمية لا تقل عن تلك الموجودة في لبنان، استطاع في لحظة معينة التقاط الأنفاس وتقديم نموذج أولي للمحاسبة الجادة. والسبب في ذلك يعود إلى توافر «الإرادة السياسية» لدى رأس الهرم الحكومي، مدعومة برغبة شعبية عارمة ضاقت ذرعاً بالفساد، ووجود هامش من التحرك القضائي والأمني الذي حظي بتغطية وطنية.
أما في لبنان، فإن «فائض القوة» والارتهان للمشاريع العابرة للحدود صادر قرار الدولة المركزي بالكامل. أصبح القضاء مكبلاً، وأي خطوة باتجاه إقرار الهوية الوطنية الخالصة والمحاسبة تُجابه بالترهيب أو التعطيل الممنهج، مثلما حصل في قضية تفجير مرفأ بيروت، أو ملف التحقيقات المالية في مصرف لبنان.
لا بديل عن منطق الدولة
إن تطلع اللبنانيين إلى تجربة حكومة «الزيدي» في العراق ليس مجرد إعجاب عابر بأخبار قادمة من بلاد الرافدين، بل هو صرخة ألم ونداء استغاثة وطني. لقد أثبتت التجارب أن الأوطان لا تُبنى بالوعود الإعلانية، ولا بالخطابات التي تبيع الأوهام، بل بالحق والعدالة واستعادة هيبة القانون.
إذا أراد لبنان الخروج من وادي التحلل المالي والسياسي، فلا بد من التخلي عن منطق «المنظومة المحصنة» والانتقال فورا إلى منطق «الدولة المركزية العادلة». يتطلب ذلك رفع اليد بالكامل عن الجسم القضائي، وتفعيل أجهزة الرقابة، وإشراك المواطن في عملية التطهير والمحاسبة دون خوف من حصانة أو نفوذ. فالتاريخ لا يرحم، والزمن لن يطوي جرائم نهب العباد والبلاد، والعدالة وإن تأخرت بفعل المسكنات، ستبقى هي المطلب الأساسي الذي لن يسقط مهما طال الانتظار.

