1000 يوم على «الطوفان»: لماذا كُتب على شيعة لبنان والمنطقة أن يكونوا وقوداً لحروب الآخرين؟

حزب الله
إن المأساة التي تعيشها الطائفة الشيعية اليوم في لبنان والمنطقة بعد 1000 يوم من الحرب تعيد فتح النقاش حول ضرورة العودة إلى «لبنانية» و«عروبة» هذا المكون الأصيل. لقد أثبتت الأيام السابقة بما لا يدع مجالاً للشك أن الاستقواء بالخارج والارتهان لمشاريع إقليمية لا يجلب سوى الدمار والعزلة المأساوية.

تشهد الساحة اللبنانية والإقليمية تحولات دراماتيكية عميقة أعادت رسم خارطة التوازنات السياسية والديموغرافية، وتحديداً داخل البيئة الشيعية التي وجدت نفسها في عين العاصفة منذ انطلاق عملية «طوفان الأقصى» وما تبعها من جبهات.

فاليوم، ومع مرور أكثر من 1000 يوم على تلك المحطة المفصلية، ما زالت التداعيات تنهش جسد الطائفة الشيعية على امتداد المنطقة.

هذا المسار الذي بدأ تحت شعار «مساندة غزة»، سرعان ما تطور إلى الاستناد المباشر للأجندة الإيرانية، ثم إلى «الثأر لخامنئي» والمحور بعد الضربات القاسية التي تلقاها. واستمر هذا المسلسل الدامي حتى دفع الشيعة كل ما لديهم ثمناً لهذه الخيارات، وتحول لبنان إلى مسرح كبير لهذه الجريمة بحق الطائفة.

ويبرز هنا تساؤل جوهري: لماذا كُتب على هذا المكون العربي أن يدفع كلفة باهظة لحروب وصراعات إقليمية في وقت هو فيه أضعف المكونات في العالم العربي؟ ومن كلف ومن أمر؟ ولماذا كان على الشيعة اللبنانيين بالدرجة الأولى أن يدفعوا الثمن؟

جذور الأزمة: 1000 يوم من نزيف جبهات «الإسناد»

بدأت الفصول الأخيرة من هذه المعاناة مع قرار فتح جبهة جنوب لبنان تحت مسمى «جبهة مساندة». هذا القرار، الذي اتخذته قيادة حزب الله بالتنسيق مع «محور المقاومة» بقيادة طهران، لم يكن خطوة موضعية لحماية الحدود، بل كان ترجمة حرفية لسياسة «وحدة الساحات».

ومع تصاعد وتيرة المواجهات وتلقي المحور ضربات قاصمة شملت اغتيال قيادات الصف الأول، تحولت الجبهة تدريجياً من دعم موضعي لقطاع غزة إلى معركة وجودية لحفظ النفوذ الإيراني، وتحت شعار «الثأر» لكرامة القيادة ومربعاتها الأمنية.

إقرأ أيضا: علي الأمين للسلطة السورية: أين الوفاء لمن وقفوا مع الثورة؟

تحول لبنان، بفعل هذه الخيارات، إلى مسرح مفتوح لعمليات تدمير ممنهجة طالت البنى التحتية، والقرى، والبلدات التي تشكل الحاضنة الشعبية الأساسية للمكون الشيعي. ولم تقتصر الخسائر على الجانب المادي والنزوح الجماعي لآلاف العائلات، بل تعدتها إلى استنزاف بشري هائل في صفوف الشباب والنخب، مما طرح علامات استفهام كبرى حول الجدوى من تقديم هذه التضحيات الكبرى في توقيت يعاني فيه لبنان والمنطقة من انهيار اقتصادي واجتماعي غير مسبوق، جعل من هذه البيئة الطرف الأضعف والأكثر إنهاكاً وسط محيط عاجز أو متفرج.

التوظيف الإقليمي: الشيعة كـ«وقود» في ساحات سابقة

لم تكن أحداث ما بعد «طوفان الأقصى» إلا ذروة لمسار طويل بدأ قبل سنوات في ساحات عربية أخرى، حيث استُخدم المكون الشيعي كبندقية للإيجار في صراعات لا مصلحة وطنية له فيها:

1. الساحة السورية والشرخ العربي

قبل عام 2023 بسنوات، جرى زج آلاف الشباب الشيعة من لبنان في أتون الحرب الأهلية السورية تحت شعارات عقائدية مثل «حماية المقامات» و«الدفاع عن ظهر المقاومة». وفي حين نجح التدخل العسكري في تثبيت أركان النظام السوري، فإن الفاتورة الحقيقية دُفعت من رصيد دماء هؤلاء الشباب واستقرار عائلاتهم. تحملت الطائفة تبعات شرخ طائفي واجتماعي عميق مع المحيط السنّي والعربي، وهي حرب يرى كثير من المراقبين والمواطنين أنه لم يكن لهم فيها «ناقة ولا جمل»، بل كانت مجرد جبهة لحماية خطوط الإمداد الجيوسياسية لطهران.

2. الساحة اليمنية والمغامرة الحوثية

وفي اليمن، جرى توظيف البُعد المذهبي لربط جماعة «أنصار الله» (الحوثيين) بالمنظومة الإقليمية لـ«الولي الفقيه». وتحول اليمن نتيجة لذلك إلى منصة صواريخ ومسيرات تُدار ضمن غرف عمليات مشتركة، مما تسبب في عزل البلاد عربياً ودولياً. ودفع الشعب اليمني، وبخاصة الحاضنة الزيدية والشيعية هناك، أثماناً باهظة من الفقر والجوع والدمار، ليكونوا مجرد ورقة ضغط إضافية على طاولة المفاوضات الدولية الإيرانية.

سؤال التكليف والمشروعية: من «كلف» ومن «أمر»؟

يطرح هذا الواقع المرير تساؤلاً مشروعاً وحاداً: من كلف ومن أمر؟

تاريخياً، رُبطت القرارات المصيرية للمكون الشيعي في لبنان بمرجعية عابرة للحدود، حيث تداخلت العقيدة الدينية بالولاء السياسي المطلق. هذا الاندماج أدى عملياً إلى مصادرة قرار الدولة اللبنانية، وألغى خصوصية المكون الشيعي العربي كجزء لا يتجزأ من نسيجه الوطني.

وكان الشيعة اللبنانيون بالدرجة الأولى هم من دفع الثمن الأكبر؛ لأنهم يشكلون رأس الحربة العسكري والجغرافي الملاصق للحدود. لقد وجد المواطن نفسه أمام مفارقة قاسية: بينما تدير العواصم الإقليمية المعارك بالوكالة وتحتفظ بأوراق القوة للتفاوض مع القوى الدولية، كانت القرى والبلدات اللبنانية تُباد، والبيوت تُهدم فوق رؤوس ساكنيها، ليتضح أن «فائض القوة» الذي كان يُستعرض في الداخل لم يكن سوى فخ كبير قاد إلى الانهيار الشامل.

العزلة والخذلان: من وقف معهم في «الكارثة والإعمار»؟

حين وقعت الواقعة وتعاظمت الكارثة الإنسانية بفعل النزوح والدمار على مدار الألف يوم الماضية، تبخرت الوعود الإقليمية الكبرى بالدعم المطلق، وظهرت الحقائق العارية.

على الجانب الإيراني، اقتصر دور طهران (الحليف الإقليمي) على التصريحات السياسية الرنانة والدعم المالي المحدود لبعض الجهات الحزبية، دون تقديم شبكة أمان حقيقية تمنع الكارثة أو تساهم في الإعمار الشامل، وتجنبت طهران بعناية أي مواجهة مباشرة قد تحمي حلفاءها على الأرض اللبنانية.

وفي المقابل، ورغم الانقسام السياسي الحاد، كانت الدولة اللبنانية والمحيط العربي هما السند الفعلي؛ حيث فتحت مناطق لبنانية عدة في «الجبل»، و«بيروت»، و«الشمال» بيوتها ومدارسها ومؤسساتها لاستقبال النازحين وتأمين مقومات صمودهم، في خطوة أكدت أن الحاضنة الحقيقية لأي مكون هي الوطن والشراكة الوطنية، بالتوازي مع المساعدات الإغاثية العربية والدولية التي تدفقت بلا منّة لتخفيف وطأة النكبة الإنسانية.

أثبتت التجربة القاسية أن العمق العربي والدولة الوطنية، رغم كل المآخذ والضعف، هما السند الحقيقي وقت الأزمات، في حين أن المشاريع العابرة للحدود تستخدم الشعوب كـ«أوراق تفاوضية» وتسقطها فور انتهاء صلاحية الدور المرسوم لها على رقعة الشطرنج الإقليمية.

نحو استعادة «الهوية الوطنية»

إن المأساة التي تعيشها الطائفة الشيعية اليوم في لبنان والمنطقة بعد 1000 يوم من الحرب تعيد فتح النقاش حول ضرورة العودة إلى «لبنانية» و«عروبة» هذا المكون الأصيل. لقد أثبتت الأيام السابقة بما لا يدع مجالاً للشك أن الاستقواء بالخارج والارتهان لمشاريع إقليمية لا يجلب سوى الدمار والعزلة المأساوية.

إن الخروج من هذا النفق المظلم يتطلب مراجعة نقدية شجاعة وعميقة، والتأكيد على أن حماية الوجود لا تكون ببناء «غيتوهات عسكرية» أو بالتحول إلى وقود لحروب الآخرين، بل بالانخراط الكامل في مشروع الدولة المركزية العادلة، وبناء جسور الثقة مع الشركاء في الوطن والمحيط العربي. فالوطن في نهاية المطاف هو الملجأ الوحيد والأخير عندما تضع الحروب أوزارها وتتبدل المصالح الإقليمية الكبرى.

السابق
عملية نوعية في مطار بيروت: ضبط أدوية مهربة وحبوب كبتاغون