عن بيان «السيّدين» الذي دعم «الثورة»: كيف أعادت سوريا الجديدة إحياء رؤية محمد حسن الأمين وهاني فحص؟

بعد زيارة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى بيروت، يعود بيان عام 2012 إلى الواجهة بوصفه وثيقة سياسية مبكرة رسمت ملامح العلاقة اللبنانية – السورية القائمة على السيادة والندية ورفض الوصاية.

بدأت العلاقة اللبنانية – السورية، بعد سقوط نظام آل الأسد وما خلّفه من عقود من الاستبداد بحق الشعبين السوري واللبناني، تدخل مرحلة جديدة تتسم بمزيد من الوضوح والاستقرار. وقد تعزز هذا المسار مع زيارة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى لبنان، حيث التقى الرؤساء الثلاثة وعددًا من قادة الأحزاب اللبنانية، في خطوة حملت مؤشرات على رغبة دمشق في فتح صفحة جديدة مع بيروت.
هذه التطورات أعادت إلى الواجهة البيان الذي أصدره الراحلان السيد محمد حسن الأمين والسيد هاني فحص في 9 آب/أغسطس 2012، دعماً للثورة السورية، والذي لم يقتصر على إعلان موقف سياسي، بل رسم تصورًا متكاملًا لطبيعة العلاقة اللبنانية – السورية، وتناول قضايا الثورات العربية، وعلاقة الإسلام بالمجتمع، والسياسة بالدين.
واليوم، وبعد التحولات الكبرى التي شهدها البلدان، يبرز سؤال أساسي: هل تحوّل ذلك البيان إلى وثيقة استشرافية لما تعيشه المنطقة اليوم؟

منى فياض: البيان كشف الهوية الحقيقية للتشيّع ورفض الظلم

ترى الباحثة والكاتبة السياسية الدكتورة منى فياض، في حديث لـ”جنوبية”، أن البيان انطلق من خيارات إنسانية وإيمانية، وأكد أن الالتزام بالعروبة والقضايا العربية لا يتعارض مع الانتماء الديني أو المعتقد الشيعي.
وتوضح أن أبرز ما يميّز البيان هو تقديمه رؤية تعتبر أن التشيّع لا يعني معاداة الآخر، بل الوقوف في وجه الظلم أيًا كان مصدره، وهو ما تجلّى في انتقاده الصريح لموقف حزب الله وإيران الداعم لنظام الأسد، ورفضه التبعية والزبائنية باعتبارهما مناقضتين لقيم الإسلام والتشيع.
وتعتبر فياض أن البيان اختصر الهوية الحقيقية للتشيع، انطلاقًا من دعم السيدين الراحلين للثورة السورية ووقوفهما إلى جانب حقوق الشعوب.

منى فيّاض

برّي وسوريا الجديدة

وحول زيارة وزير الخارجية السوري إلى لبنان، ترى فياض أن رئيس مجلس النواب نبيه بري من الطبيعي أن يرحّب بانفتاح سوريا، معتبرة أنه لطالما تعامل مع موازين القوى القائمة، كما أنه تمايز عن حزب الله بعدم الانخراط المباشر في الحرب السورية، وهو ما قد يدفع دمشق الجديدة إلى اعتباره مدخلًا للحوار مع البيئة الشيعية.
وتختم بالتأكيد أن زيارة الشيباني تمثل إشارة إيجابية من سوريا الجديدة تجاه لبنان، وتعكس احترامًا لسيادته واستعدادًا لبناء علاقات جديدة قائمة على الاتفاقات والتعاون، ولا سيما في الملفات العالقة، ومنها ملف الضباط السوريين الموجودين في لبنان.

مالك مروّة: البيان خرج من رحم “تجمع لبنان المدني”

من جهته، يؤكد الكاتب والصحافي مالك مروّة أن البيان جاء ثمرة عمل “تجمع لبنان المدني”، الذي تأسس عام 2012 بوصفه أحد أبرز التجمعات الشيعية المعارضة للمحور الإيراني.
ويقول لـ”جنوبية” إن معظم بيانات التجمع كانت تدين تدخل حزب الله في سوريا والجرائم التي ارتكبها نظام الأسد بحق شعبه، مشيرًا إلى أن السيدين محمد حسن الأمين وهاني فحص كانا عضوَي شرف في التجمع، وشكّلا مرجعية فكرية وأخلاقية له.
ويضيف أن التجمع اقترح على السيدين إصدار البيان بهدف منح الموقف المؤيد للثورة السورية بعدًا إنسانيًا ودينيًا، وهو ما تحقق بالفعل.
ويختم مروّة معتبرًا أن البيان شكّل حجر الأساس لرؤية مبكرة لسوريا الجديدة وطبيعة علاقتها المستقبلية مع لبنان.

مالك مروّة

أحمد إسماعيل: رسالة بأن سوريا الجديدة ليست في مواجهة الشيعة

بدوره، يرى الناشط والأسير المحرر أحمد إسماعيل أن بيان السيدين الراحلين أكد مبادئ الحرية والديمقراطية وحق الشعوب في اختيار أنظمتها السياسية.
ويقول لـ”جنوبية” إن زيارة الشيباني إلى الرؤساء الثلاثة وعدد من القيادات السياسية، وخصوصًا إلى الرئيس نبيه بري، تحمل رسالة واضحة مفادها أن سوريا الجديدة ليست في مواجهة الشيعة، ولن تعود إلى سياسة التدخل في الشؤون اللبنانية كما كان يحصل خلال مرحلة الوصاية.
ويعتبر إسماعيل أن البيان شكّل حاضنة فكرية للمعارضة اللبنانية عمومًا، وللمعارضة الشيعية خصوصًا، الداعية إلى دعم الثورة السورية وإعادة وصل الشيعة بمحيطهم العربي ومصلحة لبنان.

أحمد اسماعيل

جاد الأخوي: ما كان سابقًا لزمانه أصبح اليوم ضرورة

أما الكاتب والصحافي جاد الأخوي، فيرى أن المبادرة التي أطلقها السيدان محمد حسن الأمين وهاني فحص كانت سابقة لزمانها، لكنها أصبحت اليوم ضرورة وطنية وإقليمية.
ويقول لـ”جنوبية” إن استقرار المشرق لن يتحقق إلا بقيام دول مستقلة وسيدة، تحكم علاقاتها قواعد القانون الدولي، بعيدًا عن منطق المحاور والوصاية وفرض الإرادات.

نهاية زمن الوصاية

ويعتبر الأخوي أن الرسالة الأهم في زيارة وزير الخارجية السوري إلى بيروت هي أن زمن الوصاية يجب أن يكون قد انتهى، وأن العلاقة بين لبنان وسوريا ينبغي أن تقوم على الاحترام المتبادل للسيادة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية.
ويشير إلى أن هذه الفكرة ليست جديدة، بل طرحها السيدان الراحلان منذ سنوات، حين دعوا إلى إعادة تأسيس العلاقة اللبنانية – السورية على قاعدة الندية واحترام استقلال القرار الوطني، وإسقاط مفهوم الوصاية الذي ألحق ضررًا بالشعبين.

السيادة تصنع الاستقرار

ويؤكد الأخوي أن التجارب أثبتت أن التدخل في شؤون الدول لا يصنع الاستقرار، بل يراكم الأزمات ويغذي الانقسامات. فلبنان دفع ثمن الوصاية لعقود، كما دفعت سوريا لاحقًا ثمن تحول المنطقة إلى ساحة صراعات إقليمية، الأمر الذي أضعف الدولة الوطنية في أكثر من بلد.
ويرى أن المتغيرات التي شهدتها سوريا ولبنان تفتح الباب أمام طي صفحة الماضي، لا عبر تجاهلها، بل من خلال استخلاص الدروس منها، مؤكدًا أن لبنان لا يستطيع بناء دولته إذا بقي ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية، كما أن سوريا لن تستعيد دورها الطبيعي إذا بقيت علاقاتها مع جيرانها رهينة إرث التدخل والوصاية.

جاد الأخوي

السيادة تبدأ من الداخل

ويشدد الأخوي على أن احترام سوريا لسيادة لبنان يجب أن يقابله استكمال لبنان مسار استعادة سيادته الكاملة، بحيث تصبح قرارات الحرب والسلم والسياسة الخارجية وحمل السلاح من الصلاحيات الحصرية للدولة ومؤسساتها الدستورية.
ويضيف أن السيادة لا تعني فقط رفض التدخل الخارجي، بل أيضًا احتكار الدولة للقرار والسلطة على كامل أراضيها، وإنهاء كل أشكال الوصاية الداخلية التي عطلت قيام الدولة وأضعفت ثقة اللبنانيين بها.
ويختم بالقول إن زيارة وزير الخارجية السوري قد تشكل بداية صفحة جديدة إذا تُرجمت الأقوال إلى أفعال، والتزمت دمشق نهائيًا باحترام سيادة لبنان، كما يلتزم لبنان بعدم التدخل في الشأن السوري، لتقوم العلاقة بين البلدين على شراكة بين دولتين مستقلتين، لا على النفوذ أو الوصاية مؤكدًا أن الرؤية التي طرحها محمد حسن الأمين وهاني فحص قبل أكثر من عقد تبدو اليوم أكثر واقعية وإلحاحًا من أي وقت مضى: لا وصاية، ولا تبعية، ولا تدخل متبادل، بل علاقة بين دولتين سيدتين، لأن مستقبل لبنان وسوريا لا يُبنى إلا بالدولة، والسيادة، والحرية، واحترام إرادة الشعبين.

السابق
وزير الثقافة أمام الهيئة النيابية: رفعنا الصوت دبلوماسياً لحماية آثار صور وقلاع جبل عامل الخمس مدرجة على لائحة التراث العالمي