شهدت الساعات الأخيرة تحولاً دراماتيكياً حبس أنفاس العواصم الإقليمية والدولية، مع الإعلان المفاجئ عن ملامح مسودة تفاهم أميركي-إيراني برعاية قطرية-باكستانية مشتركة، أُطلق عليه اسم “اتفاق إسلام آباد”.
هذا التطور المباغت، الذي جاء غداة تهديدات نارية أطلقها الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشن ضربات مفرطة ضد طهران، يفتح الباب واسعاً أمام قراءة انعكاساته العميقة والمباشرة على الساحة اللبنانية المثقلة بالجراح والنازحين.
المستجدات الأخيرة لـ “اتفاق إسلام آباد”
وفقاً للتسريبات الدبلوماسية الموثقة عبر موقع “أكسيوس” وشبكة “سي إن إن” اليوم، نجحت الوساطة القطرية في تضييق الفجوات بين واشنطن وطهران عبر بنود أساسية تشكّل جوهر الاتفاق المرتقب توقيعه مطلع الأسبوع في جنيف، وأبرزها:
هدنة الـ 60 يوماً: تمديد وقف إطلاق النار لمدة شهرين كاملين تشمل الجبهة اللبنانية، لفتح المجال أمام مفاوضات نووية وإقليمية معقدة.
شريان هرمز وعائدات النفط: إعادة فتح مضيق هرمز فوراً بلا رسوم، مقابل رفع الحصار البحري الأميركي ومنح طهران إعفاءات لبيع النفط وتسييل جزء من أموالها المجمدة في قطر لأغراض إنسانية.
الملف النووي الإيراني: التزام طهران بعدم حيازة سلاح نووي وتخفيض نسب التخصيب العالي داخل البلاد تحت إشراف أممي.
الانعكاسات المباشرة على لبنان: بين الانفراج الميداني والمأزق السياسي
وفي حال سلك هذا الاتفاق طريقه نحو التوقيع النهائي وحصل على موافقة المرشد الأعلى الإيراني مجتبى خامنئي، فإن انعكاساته على لبنان ستتوزع على عدة مسارات استراتيجية وميدانية:
هدنة تـقاطُع النيران (انفراج ميداني مؤقت)
ويفرض النص الصريح للمسودة هدوءاً عسكرياً شاملاً لـمدة 60 يوماً يشمل الساحة اللبنانية. هذا يعني حكماً وقفاً مؤقتاً للغارات الإسرائيلية العنيفة التي طالت اليوم النبطية وجبشيت وبلدات قضاءي صور وبنت جبيل والبقاع، وتجميداً للعمليات الهجومية لـ”حزب الله”. هذه الهدنة ستمنح المتنفس لـ “إيرادات الموت” في مناطق مثل حارة صيدا، حيث يضطر النازحون لدفن شهدائهم في “مقابر الودائع” المؤقتة لتعذر العودة لبلداتهم الحدودية المدمّرة.
تعزيز أوراق القوة للوفد اللبناني في واشنطن
ويأتي هذا الاتفاق الأميركي-الإيراني ليتزامن مع تحضيرات قصر بعبدا لخوض الجولة الخامسة من المفاوضات الدبلوماسية والعسكرية في واشنطن يوم 22 حزيران الحالي.
سيادياً: يمنح هذا المناخ الإقليمي رئيس الجمهورية العماد جوزف عون والوفد المفاوض برئاسة السفير سيمون كرم قوة دفع إضافية للتمسك بالثوابت اللبنانية (الانسحاب الإسرائيلي الكامل، عودة النازحين، وانتشار الجيش اللبناني) دون الخضوع للابتزاز الميداني، مستنداً إلى أن “إعلان واشنطن” يضمن حق الدفاع عن النفس ولا يمنح إسرائيل حرية الحركة.
رفض الإملاءات: يعزز الموقف الحاسم الذي أعلنه الرئيس عون اليوم لـ”رويترز” حين قال: “لا نقبل أن تملي علينا إيران ما يجب فعله.. وإذا اختار حزب الله البقاء في حرب فسيضر بالمجتمع الذي يدعي حمايته”.
تعميق “المأزق الثلاثي” لحزب الله
الاتفاق يشكّل صدمة واختباراً عسيراً لـ”حزب الله” في لبنان؛ فالنظام الإيراني الذي يربط الحزب مساره به، وافق على نص التفاهم الأميركي مغلّباً مصالحه الاقتصادية وفك حصاره البحري. هذا السيناريو يضع الحزب أمام مأزق “ثلاثي الأضلاع” تفاقم مع مستجدات اليوم:
العجز عن فرض الأجندة الإيرانية على حكومة الرئيس نواف سلام (المدعومة سعودياً وعربياً).
عدم القدرة على ترهيب أو ثني رئيس الجمهورية عن مسار التفاوض وبسط سلطة الدولة.
التوجس من تفاهمات عين التينة؛ حيث يقود الرئيس نبيه بري عبر معاونه علي حسن خليل اتصالات مع المستشار الرئاسي العميد أندريه رحال لتسويق مبادرة “الخط الأصفر” (التي تقضي بانسحاب إسرائيل كبادرة حسن نية بالتوازي مع ترتيبات تخص انتشار الحزب والجيش).
إحباط خطط “الوصاية الجديدة” وتقاسم النفوذ
وحذرت مصادر دبلوماسية واسعة الاطلاع لـ”النهار” اليوم من أن هناك تقاطعاً خفياً كان يسعى إليه طرفا الحرب (إسرائيل وإيران) لإعادة تقاسم النفوذ في لبنان؛ حيث تؤدي معادلة “تدمير الجنوب والضاحية مقابل حماية شمال إسرائيل” إلى نكبة في جبل عامل لإنتاج وصاية إيرانية جديدة بموافقة إسرائيلية. الاتفاق الأميركي المباشر مع طهران، المرتكز على رغبة ترامب في حسم ملفات الاقتصاد والأسعار قبل الانتخابات النصفية الأميركية، قد يقطع الطريق على هذه السيناريوهات ويقوض المحاولات “الصبيانية” لأركان الوصاية القديمة في لبنان الذين حاولوا تعطيل اتفاقات وقف النار والمنطقة التجريبية في قلعة الشقيف.
صدمة إسرائيلية تسرّع الحل أو تفجر الميدان
وأمانم هذا الواقع الجديد وجد اليوم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو نفسه متفاجئاً ومعزولاً وخارج كواليس الصفقة الأميركية-الإيرانية. اتصال ترامب به ومحاولة مكتب نتنياهو اشتراط أن يتضمن الاتفاق النهائي “تفكيك البنية التحتية لتخصيب إيران وفرض قيود على صواريخها وحدّ لوكلائها” يعكس عمق الأزمة الإسرائيلية.
هذا التباين بين واشنطن وتل أبيب قد ينعكس على لبنان بمسارين: إما انصياع نتنياهو مرغماً لضغوط ترامب والقبول بهدنة الـ 60 يوماً في لبنان، أو ذهابه نحو تصعيد عسكري “انتحاري” أوسع في الجنوب اللبناني خلال الأيام القليلة التي تسبق التوقيع، لفرض وقائع ميدانية جديدة واحتلال مساحات إضافية قبل بدء سريان الهدنة.
إن “اتفاق إسلام آباد” المباغت بين واشنطن وطهران يثبت مرة أخرى أن الساحة اللبنانية صدىً مباشر للتفاهمات الكبرى.
وإذا كان الاتفاق يحمل في طياته “انفراجاً دموياً مؤقتاً” يوقف الغارات الإسرائيلية عبر هدنة الـ 60 يوماً، فإنه بالوقت ذاته يضع القوى المحلية، وتحديداً “حزب الله”، أمام الحقيقة السيادية: الدولة اللبنانية ومفاوضاتها الشرعية عبر بعبدا هي الممر الإلزامي الوحيد لحماية لبنان، وأن الرهان على ربط الجنوب بـ”ساحات الإقليم” ينهار عند أول تقاطع للمصالح الاقتصادية والأمنية بين الكبار.
يقدّم موقع جنوبية مواضيع خاصّة وحصرية، تتضمن صوراً ووثائق وأخباراً من مصادر موثوقة ومتنوّعة تتراوح بين السياسة والمجتمع والاقتصاد والأمن والفن والترفيه والثقافة.