تكشف التطورات الأخيرة حول الحرب والمفاوضات أن نظام ولاية الفقيه لا يواجه فقط ضغطًا خارجيًا متصاعدًا، بل يعيش أيضًا صراعًا داخليًا حادًا حول كيفية إدارة لحظة خطرة: هل يذهب إلى تفاهم مع واشنطن لتخفيف الضربات والعقوبات، أم يواصل سياسة التصعيد تحت شعار “المقاومة” و”الردع”؟
فقد نقلت “رويترز” أن ترامب اتهم طهران بأنها تأخرت كثيرًا في التفاوض، وقال إنها “ستدفع الثمن”، بالتزامن مع تحرك وسطاء قطريين نحو طهران لمحاولة بلورة اتفاق بعد مشاورات مع واشنطن. وجاء ذلك بعد موجة جديدة من الضربات والردود العسكرية، بما في ذلك هجمات للحرس الثوري على مواقع أمريكية في الأردن والكويت والبحرين، وردود أمريكية استهدفت بنى عسكرية إيرانية. هذه الوقائع وضعت النظام أمام معادلة ضاغطة: التفاوض يعني ابتلاع تنازلات موجعة، والتصعيد يعني فتح الباب أمام ضربات أوسع وكلفة داخلية أكبر.
داخل النظام، يظهر الانقسام بوضوح في لغة الصحف والشخصيات السياسية. فتيار يدفع باتجاه تبرير التفاوض باعتباره امتدادًا لـ”الدفاع”، كما جاء في مقاربة عطريانفر المنشورة في “دنياي اقتصاد”، حيث اعتبر أن “المفاوضة لا تنفصل عن الدفاع”، وأن امتلاك أدوات الردع، خصوصًا الصواريخ والحلفاء الإقليميين، هو ما يدفع واشنطن إلى طلب التفاوض. هذا الخطاب يحاول تقديم التنازل المحتمل كجزء من “الاقتدار”، لا كعلامة ضعف.
في المقابل، يهاجم التيار المتشدد أي انفتاح تفاوضي، ويرى فيه خطرًا على بنية النظام وهيبة خامنهای. وقد برز ذلك في الهجمات على محمد باقر قاليباف، بعدما جرى ترويج موقفه القائل إن التفاوض “نوع من النضال”. حتى وكالة “إيسنا” نقلت انتقاد صحيفة أصولية لهجمات المتشددين على قاليباف، ما يعكس أن الصراع لم يعد بين “إصلاحيين” و”أصوليين” فقط، بل داخل المعسكر الحاكم نفسه، بين من يريد إدارة الأزمة بالمساومة ومن يخشى أن تتحول المساومة إلى بداية تفكك داخلي.
أما بزشكيان فيحاول الظهور بموقع من يدافع عن الدبلوماسية والحلول السلمية، لكنه يتحرك ضمن سقف خامنهای والحرس الثوري. وكالة “إيسنا” نقلت عنه تأكيده أن إيران “ما زالت ملتزمة بالدبلوماسية”، وهي عبارة تكشف محاولة رسم صورة مزدوجة: نظام يريد أن يبدو مستعدًا للتفاوض، لكنه في الوقت نفسه يواصل القمع في الداخل واستخدام أذرعه في الخارج.
الخلاصة أن الحرب والمفاوضات كشفتا عمق المأزق الداخلي. فالنظام يحتاج إلى التفاوض لشراء الوقت، ويحتاج إلى التصعيد كي لا يظهر ضعيفًا أمام قاعدته وأمام المجتمع الإيراني. لذلك، فإن الصراع الحالي ليس خلافًا تكتيكيًا عابرًا، بل انعكاس لبنبست استراتيجي: أي طريق يختاره النظام يفتح عليه أزمة جديدة. وهذا ما يجعل “لا حرب ولا سلم” ليست سياسة قوة، بل عنوان خوف نظام محاصر من الخارج، ومهدد بانفجار الداخل.

