يجد لبنان نفسه اليوم عند مفترق طرق تاريخي تُعاد فيه صياغة هويته السياسية وموقعه الجغرافي وسط صراع المحاور الإقليمية التي تتنازع السيطرة على قراره الوطني. فبينما يرزح الداخل تحت وطأة حرب استنزاف قاسية، أعاد الإعلان التاريخي لولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان بفتح الأسواق السعودية مجدداً أمام الصادرات اللبنانية، فرز الخيارات المتاحة أمام اللبنانيين بشكل حاسم.
هذا الحدث المفصلي لم يكن مجرد خطوة اقتصادية عابرة، بل جاء ليعري المقاربات الإقليمية المتناقضة تجاه بيروت، واضعاً البلاد أمام نموذجين لا يلتقيان: نموذج الرعاية والاحتضان والدعم المؤسساتي البديل الذي تقوده المملكة العربية السعودية لانتشال الدولة من أزماتها، في مقابل نموذج الاستغلال والتوظيف الميداني الذي تعتمده الجمهورية الإسلامية الإيرانية، والتي تحرص على إبقاء الساحة اللبنانية حقل تجارب وصندوق بريد ناري لتعزيز أوراق قوتها في مفاوضاتها الشائكة مع واشنطن والغرب.
تقدم طهران نموذجاً مختلفاً تماماً في التعاطي مع الجغرافيا اللبنانية، حيث اتسمت العلاقات التاريخية منذ الثورة الإيرانية عام 1979 بتركيز مطلق على اختراق النسيج الاجتماعي والعسكري للبلاد، وتأسيس نفوذ موازٍ لسيادة الدولة ومؤسساتها الدستورية عبر ذراعها المتمثل في “حزب الله”
إن هذا التباين الجوهري في الرؤية والسلوك يمثل نتاج مسار تاريخي تراكمي، تبرز فيه بوضوح الفوارق الشاسعة بين من يرى في لبنان دولة شقيقة تستحق الدعم والإعمار، ومن يتعامل مع جغرافيتها وجماهيرها كمجرد فصيل متقدم لخدمة مشاريع عابرة للحدود الوطنية.
السعودية ولبنان: تاريخ من الرعاية وإعمار المؤسسات
تستند العلاقات اللبنانية-السعودية إلى إرث تاريخي وثقافي واقتصادي متين، بدأ مع فجر استقلال لبنان وتكرس بوصفه ركيزة أساسية للأمن القومي العربي. لطالما نظرت الرياض إلى بيروت بوصفها حاضرة ثقافية واقتصادية متميزة في الشرق، وتجلى هذا المنطق في دورها التقليدي كـ “مظلة أمان” عند كل منعطف خطير هدد الكيان اللبناني.
ويمكن تفنيد هذه العلاقة ومدى استفادة الدولة اللبنانية منها عبر ثلاثة محاور تاريخية أساسية:
اتفاق الطائف والدستور
عندما بلغت الحرب الأهلية اللبنانية ذروة دمارها وتفتيتها للنسيج الوطني، قادت المملكة العربية السعودية جهوداً دبلوماسية عربية جبارة تُوّجت برعاية اتفاق الطائف عام 1989. هذا الاتفاق لم يكن مجرد تسوية لوقف إطلاق النار، بل شكل العقد الاجتماعي والدستوري الجديد الذي أنهى الحرب، وحفظ وحدة الأراضي اللبنانية، وأرسى قاعدة “المناصفة” الإسلامية-المسيحية، معيداً بناء مؤسسات الدولة الشرعية وجيشها الوطني على أسس سيادية واضحة تنبذ منطق الميليشيات.
الدعم الاقتصادي والودائع المالية
لم تبخل الرياض يوماً في تقديم بوابات الإنقاذ المالي للاقتصاد اللبناني المترنح. فخلال فترات السلم وإعادة الإعمار في التسعينيات، وما بعد الحروب الإسرائيلية المتكررة، ضخت السعودية مليارات الدولارات في مصرف لبنان المركزي كودائع لضمان استقرار العملة الوطنية، ناهيك عن الهبات المباشرة لتمويل مشاريع البنية التحتية، والمدارس، والمستشفيات في مختلف المناطق اللبنانية دون تمييز طائفي أو فئوي.
الاحتضان البشري واستئناف الصادرات
يمثل الاغتراب اللبناني في الخليج، وفي المملكة على وجه الخصوص، شريان الحياة الحقيقي لمئات آلاف العائلات اللبنانية. فالجالية اللبنانية في السعودية حظيت دائماً بالرعاية والتقدير، وشكلت تحويلاتها المالية العمود الفقري لصمود المجتمع الداخل أمام الانهيار المالي. واليوم، يأتي قرار الأمير محمد بن سلمان التاريخي بفتح الأسواق السعودية مجدداً أمام الصادرات والمنتجات اللبنانية كرسالة ثقة بالدولة اللبنانية وإجراءاتها، وخطوة عملية لإنعاش القطاعات الإنتاجية كـ “الزراعة والصناعة” التي تعاني من الاختناق جراء الأزمات المتلاحقة.
إيران ولبنان: عسكرة الساحة والتوظيف الأيديولوجي
في المقلب الآخر، تقدم طهران نموذجاً مختلفاً تماماً في التعاطي مع الجغرافيا اللبنانية، حيث اتسمت العلاقات التاريخية منذ الثورة الإيرانية عام 1979 بتركيز مطلق على اختراق النسيج الاجتماعي والعسكري للبلاد، وتأسيس نفوذ موازٍ لسيادة الدولة ومؤسساتها الدستورية عبر ذراعها المتمثل في “حزب الله”.
ويتضح الأثر السلبي الحاد لهذا السلوك الإقليمي من خلال قراءة طبيعة “الدعم” الإيراني المزعوم:
السلاح فوق الدستور ووحدة الساحات
لم يسهم الدعم الإيراني يوماً في بناء مدرسة، أو دعم مستشفى حكومي، أو ضخ وديعة مالية لإنعاش الخزينة العامة للدولة اللبنانية، بل تركزت القوافل الإيرانية بالكامل على شحن الصواريخ، والمسيرات، والعتاد العسكري خارج إطار شرعية الجيش اللبناني.
هذا السلوك أدى عملياً إلى قضم تدريجي لهيبة الدولة وصلاحياتها الدستورية، وصودر قرار الحرب والسلم من مجالس الوزراء المتعاقبة لصالح استراتيجية عابرة للحدود تسمى “وحدة الساحات”، حيث يُقاد البلد إلى حروب مدمرة دون أي تشاور وطني.
ربط المصير بالتفاوض الخارجي
تظهر المفارقة السوداء اليوم في طريقة استغلال طهران لدماء اللبنانيين وآلام النازحين في الجنوب والضاحية والبقاع؛ إذ تصر القيادة الإيرانية على ربط المسارات التفاوضية الجارية بينها وبين الولايات المتحدة بمدى اشتعال أو هدوء الجبهة اللبنانية. وبدلاً من السعي لوقف الحرب وحماية الأبرياء، تُستغل تضحيات اللبنانيين كأوراق ضغط لتحسين شروط طهران في ملفها النووي أو رفع العقوبات الاقتصادية عنها، مما يثبت أن الساحة اللبنانية في المنطق الإيراني ليست سوى مجرد حقل تجارب وصندوق بريد لا قيمة لسيادته أو دمار قراه.
عزل لبنان عن محيطه العربي
تسببت سياسات المحاور والأجندة الإيرانية المنفذة بأدوات محلية في إدخال لبنان في عزلة دبلوماسية واقتصادية خانقة مع محيطه العربي الخليجي لسنوات؛ نظراً لتحويل ساحة بيروت ومنصاتها الإعلامية والسياسية إلى منطلق لمهاجمة الأشقاء العرب وتهديد أمنهم الاستقراري، وهو ما دفع لبنان فاتورته تراجعاً في الاستثمارات، وانهياراً في قطاعات السياحة والتبادل التجاري.
عزل الطائفة الشيعية: الاستغلال الثقافي والاجتماعي كتمهيد للمحرقة
في المقابل، لم يقتصر المشروع الإيراني في لبنان على العسكرة الميدانية فحسب، بل ارتكز بالدرجة الأولى على استراتيجية قضم ممنهجة وعميقة لبنية الطائفة الشيعية اللبنانية وعزلها عن محيطها الطبيعي. فمنذ العام 1979، عملت طهران عبر ضخ مقدرات مالية ضخمة وغير خاضعة لرقابة الدولة، على إنشاء شبكة معقدة من المؤسسات التعليمية، والدينية، والكشفية، والصحية الموازية لمؤسسات الدولة، بهدف صياغة هوية ثقافية واجتماعية جديدة غريبة عن تاريخ الشيعة اللبنانيين العروبي والمنفتح.
تستند العلاقات اللبنانية-السعودية إلى إرث تاريخي وثقافي واقتصادي متين، بدأ مع فجر استقلال لبنان وتكرس بوصفه ركيزة أساسية للأمن القومي العربي. لطالما نظرت الرياض إلى بيروت بوصفها حاضرة ثقافية واقتصادية متميزة في الشرق، وتجلى هذا المنطق في دورها التقليدي كـ “مظلة أمان” عند كل منعطف خطير هدد الكيان اللبناني
لقد جرى فصم هذه البيئة اجتماعياً عبر ربط أرزاق الناس ومستقبل عائلاتهم بمنظومة الدعم المالي الآتي من خلف الحدود، وثقافياً من خلال شحن الأجيال بـ “أدلجة” عقائدية صارمة تُقدّس الولي الفقيه وتجعل الولاء العابر للأوطان مقدماً على الانتماء للبنان وللعروبة.
هذا العزل الثقافي والاجتماعي لم يكن هدفاً بحد ذاته، بل كان عملية “تجهيز” مدروسة وتحويل المجتمع إلى بيئة مغلقة يسهل سوقها بعيداً عن المنطق الوطني؛ والنتيجة المريرة اليوم تتجلى في تحويل شباب هذه الطائفة ومقدراتها الإنسانية إلى مجرد “وقود مدافع” في مشاريع إقليمية متنقلة لحساب الحرس الثوري الإيراني، مستخدمين واجهة “حزب الله” لتنفيذ هذه الأجندة التي استنزفت دماء أبنائها في حروب عبثية، وجعلت من قراها وحواضرها في الجنوب والضاحية والبقاع ثمناً بخساً على طاولات التفاوض الدولية.
المقارنة الشاملة: إنعاش الاقتصاد ضد عسكرة المجتمع
إذا ما وُضعت طروحات البلدين في ميزان الربح والخسارة الوطني اللبناني، تظهر النتيجة واضحة في الجدول الافتراضي للخيارات:
| وجه المقارنة | الرعاية السعودية | الاستغلال الإيراني |
|---|---|---|
| طبيعة المشروع | دعم منطق الدولة، الدستور، واتفاق الطائف | دعم الكيانات الموازية، الميليشيات، والسلاح |
| الرافد الاقتصادي | فتح الأسواق، دعم الصادرات، واحتضان العمالة | عزل الأسواق، اقتصاد موازٍ، وشحنات أسلحة |
| قرار الحرب والسلم | الدفع باتجاه الدبلوماسية الدولية وحفظ الاستقرار | ربط الساحة بالمواجهات الإقليمية وتصفية الحسابات |
| الترجمة على الأرض | بناء، إعمار، ومظلات أمان مالي في الأزمات | ركام، نزوح، واستثمار في الحروب المفتوحة |
استعادة التوازن: طوق النجاة من خلال منطق الدولة
أمام هذه التطورات الميدانية والسياسية الصادمة، يتضح للبنانيين يوماً بعد يوم أن “اللعنة” التي حلت ببلادهم وببعض بيئاته الحاضنة نتيجة التماهي مع المشاريع الإقليمية الصاروخية، لا يمكن تبديدها إلا بالعودة إلى حضن الشرعية الدستورية والعمق العربي الطبيعي.
إن الإصرار الإيراني على إبقاء لبنان في عنق الزجاجة لخدمة أوراق قوتها الخارجية أثبت عقمه؛ فالصواريخ لم تعد نازحاً ولم تبنِ قرية مهدومة، بل أسهمت في تكريس التدمير والمزيد من التوغل الميداني على حساب السيادة الوطنية. وفي المقابل، يأتي منطق الاحتضان العربي والخليجي كطوق نجاة وحيد يطرح حلولاً مستدامة تقوم على إنعاش الاقتصاد، وتعزيز دور الجيش اللبناني والمؤسسات الأمنية الرسمية، وفرض منطق الدستور فوق أي سلاح ميليشياوي خارج عن القانون.
لقد حان الوقت لكي يدرك الجميع، وتحديداً القوى السياسية في الداخل، أن مصلحة اللبنانيين تقتضي تحييد البلاد الكامل عن صراعات المحاور وتغليب منطق الدولة والمؤسسات، والالتفاف حول الطروحات السيادية لرئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة، لانتزاع قرار وطني مستقل يعلن بوضوح: لبنان وطن سيد حر مستقل، وليس فصيلاً في ألوية الحرس الثوري، أو مساحة نفوذ متنازع عليها بين الآخرين مهما تبدلت أسماؤهم وشعاراتهم.

