يواصل المشهد الميداني والإنساني في لبنان تدهوره الدراماتيكي تحت وطأة التصعيد العسكري المستمر؛ إذ شن الجيش الإسرائيلي صباح اليوم الجمعة سلسلة غارات عنيفة استهدفت مدن وبلدات النبطية، جبشيت، طيردبا، العباسية، البياض، وقلاويه في قضاءي صور وبنت جبيل، وصولاً إلى توسيع نطاق القصف ليشمل مناطق واسعة في البقاع شرق البلاد.
وأسفرت غارة دموية نفذتها طائرة مسيرة إسرائيلية قرب مستشفى حيرام في صور عن مقتل شخص وإصابة ١٧ آخرين، بينهم ١٠ من الطواقم الطبية، تزامناً مع غارة أخرى استهدفت حي المسلخ في النبطية.
وفي المقابل، أعلن الجيش الإسرائيلي تنفيذ ٣١٠ غارات على جنوبي لبنان خلال الأسبوع الأخير وحده، مدعياً تصفية ٨٠ من عناصر حزب الله، في حين أعلن الحزب تصدّيه للقوات المتوغلة واستهداف آليات ودبابات إسرائيلية في عدة مواقع حدودية. ومع هذا الاحتدام، أعلنت وزارة الصحة اللبنانية أن حصيلة ضحايا العدوان منذ بدء الحرب ارتفعت لتسجل ٣٧١١ قتيلاً و١١٤٨٣ جريحاً.
ظاهرة “القبور المؤقتة”: الموت بوثيقة “وديعة” في حارة صيدا
وفي قلب هذه الفاجعة، تختزل بلدة حارة صيدا الجرح الإنساني الغائر للنازحين اللبنانيين؛ إذ تحولت ساحة جرداء صغيرة من الحصى تقع فوق المقبرة الأساسية للبلدة إلى مدفن مؤقت لعشرات الجثامين. وبسبب خطورة الأوضاع الأمنية وتدمير القرى الحدودية، يلجأ الأهالي إلى دفن قتلاهم كـ”وديعة” وفقاً لما تجيزه الشريعة الإسلامية، على أن تُنقل الجثامين إلى مساقط رؤوسهم بعد انتهاء الحرب.
القبور التي سُيّجت بقطع من الإسمنت، خُطّت على بعضها أسماء الضحايا وتواريخ دفنهم بخط اليد، وتزينت أخرى بزهور وصور لمدنيين ومقاتلين من حزب الله قضوا في المعارك. ويشرح حسن صالح، رئيس لجنة الأوقاف في حارة صيدا والمشرف على المقبرة، أن هذا القسم أُنشئ بإشراف المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى إبان جولة المواجهات التي انطلقت عام ٢٠٢٣ وتحولت لحرب مفتوحة عام ٢٠٢٤، لافتاً إلى أنه حتى بعد إعلان وقف إطلاق النار في نوفمبر ٢٠٢٤ وإبريل ٢٠٢٥، عجزت عائلات كثيرة عن العودة لبلداتها الحدودية المدمّرة كلياً.
وينقل التقرير عن أحد النازحين المشرفين ميدانياً نبرة الأسى والمشاهد المروّعة قائلاً: “منذ مارس الماضي، دفنا ١٢٠ شخصاً كوديعة، واليوم نملك قرابة ١٨٥ وديعة في المقبرة. نعمل ليل نهار لاستقبال جثامين أهلنا ونسائنا وأطفالنا وشهداء الدفاع المدني، ونقوم بتقسيم المدافن بحسب العائلات؛ حيث يوضع أفراد العائلة الواحدة معاً، كل شخص في صندوقه الخاص داخل قسم محدد”. وتنتشر هذه الظاهرة المأساوية في مناطق لبنانية أخرى كأطراف صور وضواحي بيروت الجنوبية.
التعنت الميداني ومواقف السلطة: بعبدا تتمسك بالحقوق وتل أبيب تتوعد
سياسياً، وعلى الرغم من الحصار البري والتوغل العسكري، أكد الموقف الرسمي اللبناني ثباته؛ حيث أعلن رئيس الجمهورية العماد جوزف عون أن الضغوط الميدانية لن تثني الدولة عن مسار استعادة الحقوق، قائلاً: “لن ننسحب من المفاوضات على الرغم من الضغوط، وسنكمل الطريق حتى بلوغ خواتيم لمصلحة وطننا”. وجدد عون طرح ثوابت لبنان لإنهاء حالة العداء مع إسرائيل والمتمثلة في: الانسحاب الإسرائيلي الكامل، وقف الاعتداءات فوراً، انتشار الجيش اللبناني على كامل الحدود، وعودة كافة النازحين والأسرى.
في المقابل، عكس تصريح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إصرار تل أبيب على مواصلة العمليات العسكرية؛ حيث قال: “نضرب حزب الله بقوة، ونقضي على مئات المخربين كل أسبوع والمواجهة مستمرة مع الحزب”، مقراً في الوقت ذاته بأن ملف الطائرات المسيّرة التي يطلقها حزب الله يشكل أحد أبرز التحديات الحالية التي تعكف الأجهزة الأمنية الإسرائيلية على إيجاد حلول تكنولوجية وميدانية لمواجهتها.

