شكلت الزيارة الرسمية التي قام بها المستشار في الديوان الملكي السعودي، الأمير يزيد بن فرحان، إلى العاصمة اللبنانية بيروت، محطة استراتيجية بارزة لصالح دعم موقف لبنان في المفاوضات الجارية والعمل على إنهاء الحرب، وذلك في إطار جهود الرياض لوضع حد للتصعيد وكبح شبح استمداد الحرب نحو الخليج وانعكاسات ذلك الكارثية على الساحة اللبنانية.
وتأتي هذه المحادثات المكثفة لتترجم التنسيق السعودي-الأميركي الوثيق الرامي إلى وضع قرار وقف إطلاق النار موضع التنفيذ في الجنوب والبقاع ومختلف المناطق الساخنة، بالتزامن مع تفعيل الدعم الاقتصادي عقب القرار الملكي بفتح الأسواق السعودية أمام المنتجات الزراعية والصناعية اللبنانية.
بعبدا وعين التينة والسرايا: محادثات لتقريب وجهات النظر
استهل الموفد السعودي لقاءاته باجتماع مع رئيس الجمهورية العماد جوزف عون، حيث عرض معه الأوضاع في لبنان والمنطقة في ضوء التطورات الأخيرة، ومسار المفاوضات اللبنانية-الأميركية-الإسرائيلية الجارية في واشنطن.
وحمّل الرئيس عون الأمير يزيد شكره وتقديره لخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز وولي العهد الأمير محمد بن سلمان على قرار استئناف الصادرات، مؤكداً امتثال اللبنانيين الكامل لهذه الخطوة التي توثق وقوف المملكة الدائم إلى جانب لبنان.
كما زار الموفد السعودي رئيس مجلس النواب نبيه بري، حيث عُقد لقاء طويل وبارز، شملته لقاءات أخرى مع رئيس الحكومة نواف سلام وشخصيات سياسية وعسكرية، كشفت مصادر صحيفة “الجمهورية” أنها أفضت إلى تقريب وجهات النظر حول بنود التفاوض والأولويات برعاية دولية تلاقت مع مطالبات الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش للأطراف بالعمل على تسوية دبلوماسية تحترم سلامة أراضي لبنان وسيادته واستقلاله السياسي.
البنود الخمسة للمبادرة الخماسية المتجددة
وفقاً لمعلومات دقيقة نقلتها صحيفة “اللواء” عن قيادي بارز في الثنائي الشيعي، فإن زيارة الأمير يزيد بن فرحان شهدت إعادة تحريك واسعة لـ”المبادرة الخماسية”، التي تستند في مرتكزاتها إلى المواقف الرئاسية، ومخرجات اجتماعات واشنطن، وبيان إعلان النوايا، ومفاوضات إسلام آباد العسكرية. وتتوزع هذه المبادرة المحدثة على خمسة بنود جوهرية:
- البند الأول (صيغة الشراكة الرئاسية): إعادة إحياء صيغة الشراكة السياسية الموسعة بين الرئاسات الثلاث، والترتيب لعقد لقاء يجمعهم بعد أن عُطّل سابقاً بفعل تصاعد الخلاف بين بعبدا وعين التينة. وبينما أبدى الرئيس بري انفتاحاً على هذه الصيغة، جوبهت بتحفظات من أطراف أخرى.
- البند الثاني (معضلة وقف النار والانسحاب): يطرح صيغة لوقف شامل لإطلاق النار تقضي بوقف حزب الله لهجماته ضد إسرائيل، مقابل بقاء قوات الاحتلال الإسرائيلي “مؤقتاً” في المناطق الجنوبية التي تقدمت إليها خلال التوغل، على أن تنحسر تدريجياً بالتزامن مع خطوات سحب سلاح حزب الله.
- البند الثالث (الحفاظ على حكومة سلام): التشديد على دعم واستمرار حكومة الرئيس نواف سلام كجزء لا يتجزأ من الاستقرار؛ نظراً لمقاربة الرياض التي ترى أن بقاء هذه الحكومة يرتبط مباشرة باعتبارات الأمن القومي السعودي وقدرتها على مواكبة التسويات. وبات يُنظر إلى سلام في الرياض كأحد أهم الشخصيات السنية المتكاملة مع التوجه العربي والسعودي تجاه الملفات الخلافية، لا سيما ملف السلاح.
- البند الرابع (حصانة الطائف): التأكيد الصارم على حماية اتفاق الطائف وتطبيقه كاملاً باعتباره الإطار الوحيد الناظم للتوازنات اللبنانية، ورفض أي طروحات لتعديله أو استبداله بصيغ مؤتمرات تأسيسية قد تفتح الباب أمام أزمات دستورية معقدة.
- البند الخامس (سقوف دعم رئيس الجمهورية): تقديم الدعم اللوجستي والسياسي الكامل للرئيس جوزف عون في المفاوضات المباشرة، على أن يلتزم بضوابط واضحة أبرزها: عدم توقيع أي اتفاق سلام يخرج عن مندرجات مبادرة السلام العربية، وحظر عقد أي لقاء مباشر مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قبل إنجاز اتفاق نهائي يحقق المصلحة اللبنانية العليا.
الثنائي الشيعي يرفع “الفيتو” بوجه الشروط الميدانية
بالتوازي مع هذه الطروحات، كشف القيادي في الثنائي الشيعي لـ”اللواء” عن رفض قاطع وبات للبند الثاني المتعلق بآلية وقف إطلاق النار. وأكد القيادي أن الثنائي يعتبر بقاء أي جندي إسرائيلي على الأراضي اللبنانية، تحت أي مبرر أو مسمى مؤقت، أمراً مرفوضاً وغير قابل للنقاش على الإطلاق.
وشدد المصدر على أن الثنائي الشيعي لن يبحث في أي وقف لإطلاق النار ما لم يترافق مع انسحاب إسرائيلي كامل وفوري من كافة الأراضي المحتلة، وأن يكون الوقف شاملاً وبلا قيد أو شرط. وجدد التأكيد على أن الثنائي، بالتكافل والتضامن، لن يوافق على سحب أو انسحاب حزب الله إلى شمال نهر الليطاني إلا بالتوازي التام والزمني مع انسحاب العدو، لضمان تطبيق متزامن ومتوازن للالتزامات الدولية على طرفي الحدود.

