ثمة واقع مأزوم يعيشه الحزب، حيث أصبح عاجزًا عن تسويق سرديته المبنية على وهم الانتصارات، خصوصًا بعد غياب قائده التاريخي “حسن نصرالله”، والذي كان يتمتع بكاريزما قادرة على إقناع بيئته بسرديته وأوهام الانتصارات المتراكمة، وهي بالذات التي جعلت من شيعة لبنان، وخصوصًا الجنوبيين منهم، وقودًا لمغامرات وحروب الحزب، وجعلتهم يعيشون النكبة التي يحصدون نتائجها اليوم.
قيادة الفرد وتداعياتها
وذلك يعود لأسباب عدة تتحمل نتيجتها إيران ونصرالله، لأنهما لم يستطيعا بناء قيادة جامعة للحزب، بل كان نصرالله هو القائد الملهم والأوحد المؤتمن على الأرواح والجماهير، على شاكلة الأنظمة التوتاليتارية العربية التي سبقته، وهذا ما يدفع ثمنه الحزب اليوم.
فلم يعد لدى حزب الله قائدًا قادرًا على لملمة صفوف الحزب، وحتى إقناع المحازبين أولًا وبيئته ثانيًا، بل أصبح التخبط حال سياسة الحزب، وكلٌّ يغني على ليلاه، وبذلك أصبح الحزب تحت القيادة المباشرة للحرس الثوري الإيراني، ولم يتبقَّ للقيادة الحالية سوى التلهي بخطابات وتصاريح متضاربة بين قيادي وآخر، وهذا ما كشفته كمية التصاريح والإطلالات الإعلامية لما تبقى من قيادات حزبية دون أدنى فاعلية.
خسارة ميدانية منذ اللحظة الأولى
بذلك، خسر الحزب الحرب الحالية منذ لحظة إطلاق الصواريخ الستة، والتي لم يعبر الحدود منها أي صاروخ، بل سقطت وانفجرت داخل الأراضي اللبنانية، وبعد لحظات قام الطيران الإسرائيلي بغارات محددة الأهداف وفقًا لبنك أهداف مُعد ومرسوم سلفًا، وكأن في ذلك تنسيقًا وتكاملًا فيما بين الطرفين.
اليوم، وبعد مرور حوالي الشهرين على الحرب المدمرة التي أصابت لبنان عمومًا ومناطق الجنوب خصوصًا، وما تقوم به إسرائيل يوميًا من تجريف وتفجير للقرى والبلدات الجنوبية، تستمر سردية حزب الله على ذات المنوال، فالعلم الإسرائيلي رُفع في الخيام وفي ملعب بنت جبيل، وبعض الموهومين من قادة حزب الله وإعلامه يتحدثون عن تسطير بطولات للمقاومين في بنت جبيل والخيام، بينما جيش العدو تقدم كثيرًا وأصبحت بنت جبيل والخيام خلفه، وما يُسمى بالإعلام الحربي يتحدث عن استهداف دبابات وتجمعات لجنود العدو، حتى بات وكأن إسرائيل قد خسرت ما يُقارب نصف جيشها وعتادها أو أكثر، لو افترضنا أن ربع ما يُنشر صحيحًا.
سخرية شعبية وانهيار المعنى
من هنا، بات الجنوبيون يتندرون بمقولات: إذا كان هذا هو الانتصار، فكيف تكون الهزيمة؟ بعد أن أصبح الشريط الحدودي يضم ما يزيد عن خمس وخمسين قرية ومدينة محتلة، وجرافات العدو وجنوده يقومون بتجريف القرى وتفجير ما سَلِم من حرب إسناد غزة السابقة، فيُلحقون ما بقي بما تم تدميره سابقًا، وقد عاد الشريط الحدودي محتلاً ولكن بنسخته الجديدة، حيث النسخة القديمة كان الشريط يعج بأهله وقراه وبلداته ومدنه سليمة معافاة ومزدهرة، أما اليوم فكلها مدمرة وغير صالحة للسكن، ولا يوجد فيها مواطنون، بل ممنوع على أهلها العودة إليها أو الاقتراب منها.
من هنا يتأكد للجنوبيين كم هي انتصارات حزب الله وهمية، لا بل أتت لهم بنكبة زادت على نكبة فلسطين في العام 1948، وكلها ثأرًا لولي فقيه إيران – علي خامنئي، وليست دفاعًا عن لبنان، وبذلك فقد الحزب سرديته التاريخية التي بناها على مدى أربعين عامًا على أنه مقاومة لحماية لبنان.
النهاية أم التحول؟
فهل في هذه الأيام تُكتب نهاية حزب الله، أم تأتي ولادة أخرى مُنقحة وأكثر ملاءمة للواقع، أم أننا نشهد سقوطه المدوي؟ وحينها لا يسعنا إلا أن نترحم على من سقط من شهداء كانوا وقودًا لحروب ومغامرات إيران في لبنان وفلسطين.

