يمرّ لبنان بمرحلة صراع بين مسارين: مسار تقف وراءه منظومة معقّدة تبذل أقصى طاقتها لإبقاء لبنان داخل ترتيب داخلي في ميزان القوى وتوزيع الموارد وصناعة القرار، وتموضع إقليمي يجعل لبنان جزءًا من جبهة ممتدة وعابرة للحدود تكون طهران نقطة ارتكازها ومرجعيتها ومصدر استراتيجيتها، ويكون حزب الله حامل رايتها لخارجية وفي خط صفوفها الأمامية. هذا يسلب عن لبنان ذاتيته ويضيّق خياراته الإقليمية ويقيّد حركته الداخلية ويفرغ السياسة فيه من أي معنى أو مغزى، بسبب التأطير القسري الذي ترسّخ لعقود، وبذل المحور لأجل استمراريته الدماء الغزيرة والأموال الوفيرة وخاض حروبًا عديدة لا تقتصر على لبنان، وإنما شملت سوريا والعراق واليمن. بل عمد المحور إلى مأسسته ليصبح طبيعة تكوينية للبنان التي يُعرِّف بها نفسه ويطلّ من خلالها على محيطه والعالم.
مسار الدولة: محاولة الخروج من الأسر
المسار الثاني وجهته إخراج لبنان من أسر المحاور، استعادة قدرته على تقرير مصيره، إعادة موضعة لبنان بما ينسجم مع طبيعته وثقافته ومداه الحيوي، وحسم خياراته وفق اعتبارات ذاتية ووطنية. هو مسار راهن بدأ يشق طريقه بصعوبة من تحت الأنقاض والدمار، مع ضعف في إمكاناته وارتباك في أدائه وتردّد في قراراته، بسبب القيود الداخلية التي تضيّق مساحة حراكه، وتناقضات المشهد السياسي المحزّم بألغام قابلة للانفجار المجتمعي والتفكك السياسي.
الفارق بين المسارين ليس في المقارنة بين خيارين سياسيين فحسب، وإنما في الطبيعة والأرضية التي يقوم عليها كل منهما. المسار الأول يُغيّب لبنان كحقيقة قائمة بذاتها، ولا يرى الدولة مرجعية حصرية لكل ما يطال الشأن العام، بل ساحة صراع وشبكة مصالح ونفوذ قابلة للاختراق والهيمنة. فلبنان بالنسبة إليه دولة مؤجلة، كيانًا افتراضيًا، هوية مصطنعة، ساحة جهاد مفتوحة بدوافع غيبية ومحفّزات خلاصية، ومدى حيوي للجمهورية الإسلامية في إيران. أما المسار الثاني، فنقطة ارتكازه الأولى والحصرية لبنان الكيان ذو العراقة الثقافية والميثاق الوطني القائم على الشراكة لا القهر، والعيش المشترك لا الغلبة، وشرعية قراره مؤسسات الدولة، وضابط أدائه النصوص الدستورية والقانونية. مسار يعيد لبنان إلى وضعه الطبيعي في العالم ويخرجه من وحشته واغترابه حتى عن ذاته.
الفارق بين المسارين ليس في المقارنة بين خيارين سياسيين فحسب، وإنما في الطبيعة والأرضية التي يقوم عليها كل منهما.
عقيدة مغلقة مقابل مرونة تعددية
مساران لا يلتقيان، بحكم أن المسار الأول يقوم على بناء عقائدي كثيف، تنمحي معه الألوان بتنوعاتها وجماليتها، ويصير العالم واقعًا بين قطبي الظلمة والعتمة، الخير والشر، والحق والباطل. مسار متصلّب يغلق على نفسه كل الخيارات البديلة أو المحتملة ويقصي من هم خارجه، ويتمسّك بخيار حتمي يُنزِّله منزلة الأزلي والسامي والمقدّس، يرى في تنازله أو مساوماته خيانة لدينه ورموزه ومبادئه، ويؤثر الموت حتى النهاية، بعد أن صار الموت غاية عليا تُقصد لذاتها مع قطع النظر عن آثارها على الواقع والوجود الإنساني. أما المسار الثاني، فمداه رحب يتّسع للتنوع والاختلاف، ومرونته ثمرة تجارب تاريخية ومعاناة حياتية وحصيلة صراعات داخلية مدمّرة، رسّخت ذهنية المشاركة وإرادة العيش المشترك، تتحدد فيها الخيارات على مبدأ الإجماع والحوار الداخلي الذي يستحضر كل الخيارات المحتملة والممكنة، ويرجّح الخيار الأكثر ملاءمة وتوافقًا مع جميع مكونات المجتمع اللبناني.
حسابات الحرب والخسارة: من يحتكر النتائج؟
المسار الأول، حسابات الربح والخسارات عنده ذات بعد واحد، تقتصر عليه وعلى سلاحه وسياسات المحور الذي ينتمي إليه. لا توجد لديه حسابات لمصير وطن وحال دولة ونمو اقتصادي ووضع مالي وبنية إنتاجية وأمن اجتماعي ومستقبل أجيال وتنمية مستدامة وسيادة قانون وعلاقات دولية. مصائر الناس وأرزاقهم وأرواحهم ومذلّة نزوحهم غير مدرجة في سير المعارك وإدارتها. الانتصار يخصّه وحده، يحتكره لنفسه، ويحسبه على قياسه ويفرضه على الآخرين. يحرص على رفع أعلام الانتصار فوق ركام البيوت المدمّرة ومداخل القرى التي سُوِّيت معالمها بالأرض. يطمس، بل يقمع، بخطاب انتصاراته، أية مساءلة اجتماعية وسياسية وحتى قانونية عن مواجهات وحروب تفرد بها، ويتنصّل من تبعات ونتائج خياراته ويلقي مسؤوليته على الدولة والمجتمع الدولي.
عقلانية القرار: ربط الحرب بالسلم الأهلي
المسار الثاني، حساباته دقيقة، كونه يستحضر في خياراته كل عناصر الواقع ومقومات وجوده واستقراره. قرار الحرب والسلم عنده مرتبط ارتباطًا عضويًا بالاقتصاد والنمو والسلم الأهلي والأمن المجتمعي وشبكة العلاقات الدولية وثقة المجتمع الدولي والسيادة. ما يفرض أن تكون خياراته كلية جامعة وشاملة، كونه يستحضر جميع العناصر اللازمة لشروط حياة آمنة ومستقرة. وهو ما يجنّبه المجازفة والمخاطرة، ويفرض عليه ربط الأسباب بنتائج ومآلاتها، واعتماد خيارات تقوم على تقديرات معقلنة لا مؤدلجة، ومعطيات موضوعية لا غيبية، وتثمين للحياة لا الموت. انتصار هذا المسار ليس ملكًا لأحد أو جهة، بل انتصار عمومي يشارك فيه الجميع وتتوزّع عوائده على الجميع بالتساوي.
إسرائيل: ذريعة أم معيار؟
هل إسرائيل نقطة الافتراق الأساسية بين المسارين، لكون المسار الأول يضع مواجهة إسرائيل في صدارة أولوياته، ويعتبرها المسار الثاني مسألة ثانوية، بالتالي يكون أساس الخلاف مبدئيًا، لا وظيفيًا أو إجرائيًا؟
الخلاف بين المسارين حول إسرائيل ليس مبدئيًا، بل نابع من المسلّمة الأولى والبديهة الثابتة عند الطرفين. الثابتة الأولى عند المسار الأول هيمنة المحور في المنطقة، بمسمياته المتعددة من هلال شيعي أو ممانعة أو وحدة ساحات. بالتالي فإن مواجهة إسرائيل أو تحرير القدس ليست البديهة أو الثابت الأول، حيث تتحدد شدة وخفة هذه المواجهة وفق استراتيجيات المركز الإيراني في بسط هيمنته في المنطقة. لذلك تجد أن أكثر طاقته وموارده المالية والبشرية صرفها في سوريا واليمن والعراق، وكانت مواجهاته مع إسرائيل موسمية ومتقطعة ولم تكن يومًا في سياق مشروع جدي متكامل ودائم لـ”تحرير القدس”. بل مارس محور هذا الخيار مساومات وتسويات لم تتوقف مع إسرائيل. ما يجعل الاعتبار الأول لهذا المسار هو التطلع الإمبراطوري للنظام الإيراني الذي تنفّذه الأذرع الموالية له في المنطقة. بالتالي فإن مواجهة إسرائيل، لدى هذا المسار، تفصيل ثانوي، خطاب تعبئة، أداة اختراق، مسوّغ تمدّد، إيقاع سياسي، تحدّده اعتبارات مصلحة هذا النظام واستراتيجيات توسعه.
هل إسرائيل نقطة الافتراق الأساسية بين المسارين، لكون المسار الأول يضع مواجهة إسرائيل في صدارة أولوياته، ويعتبرها المسار الثاني مسألة ثانوية؟
لبنان أولًا: معيار المصلحة الوطنية
أما البديهة الأولى والثابتة عند المسار الثاني فهي لبنان، الكيان الدولة والشعب، مع كل ما يستلزم من مناعة وقوة وتماسك واستقرار هذه المكونات. بالتالي فإن مواجهة إسرائيل أو التفاوض معها، فرع لأصل سابق عليه ويتحدد وفقه، وهو مصلحة لبنان. فلا معنى عنده لمواجهة مفتوحة، ولا مكان لمطلقات فارغة ومزايدات نضالية، بل الأساس اعتماد السبل الأكثر فعالية والنتائج المجدية. بالتالي يتحدد الهدنة والمواجهة، المباح والمحظور، الخصومة والمسالمة، على أرضية لبنانية وحسابات وطنية خالصة.
خلاصة الصراع: بين التبعية والذات
هنا يتبدّى الفارق الجوهري بين من يقصد لبنان لغيره بأن يكون مدىً حيويًا تابعًا لمركز خارجه (طهران) كما في المسار الأول، ومن يقصد لبنان لذاته ويكون العالم كله مداه الحيوي كما في المسار الثاني. هو فارق لا يقتصر على الوجهة، بل فارق بين من يتلبّس حقيقة غيره، ومن يعود إلى ذاته ليجد حقيقته.

