كيف تهدر إيران مواردها على الحروب بدل رفاه شعبها؟

People walk while shopping in a street in Tehran, Iran, 13 January 2025 (EPA)

ليست المشكلة في إيران مجرد ارتفاع بند «الدفاع» في الموازنة، بل في أن الدولة أعادت، على مدى سنوات، توجيه الاقتصاد كله نحو الأمن والصراع بدل الإنتاج والاستثمار والرفاه لشعبها.

الحقيقة بالأرقام

بحسب معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام، بلغ الإنفاق العسكري الإيراني 7.9 مليارات دولار في 2024. ورغم أنه انخفض عن 2023، فإنه بقي أعلى بنحو 21 في المئة من مستواه في 2015. والأهم أن حصة الحرس الثوري من الإنفاق العسكري ارتفعت من 27 في المئة في 2019 إلى 37 في المئة في 2023.

ورسميا، قالت المتحدثة باسم الحكومة الإيرانية اطمة مهاجراني أن مشروع موازنة 2025 تضمّن زيادة بنحو 200 في المئة في مخصصات الدفاع. هذه ليست لغة اقتصاد يضع المواطن أولًا، بل لغة نظام يرى أن البقاء والردع وتوسيع النفوذ أولى من تحسين الخدمات وفرص العمل.

هل تحسنت معيشة المواطن الإيراني؟

هذه الأولويات تبدو أكثر فجاجة حين تُقاس بنتائجها الاجتماعية. فإيران، رغم مواردها النفطية والغازية الضخمة، سجّلت ناتجًا محليًا للفرد قدره 5190 دولارًا في 2024، فيما بلغ معدل البطالة 8.3 في المئة في 2025، ووصل التضخم السنوي الرسمي إلى 32.5 في المئة في 2024. أي أن الاقتصاد الذي يُطلب منه تمويل الصراع الإقليمي والدفاع المتضخم هو نفسه اقتصاد عاجز عن تأمين استقرار الأسعار أو خلق ما يكفي من الوظائف أو رفع متوسط الدخل إلى مستوى يخفف الاحتقان الاجتماعي.

وبعبارة أخرى، كل دولار يُوجَّه إلى ترسانة الصراع يُسحب من قدرة الدولة على ترميم المعيشة اليومية للإيرانيين.

ما قبل الحرب على إيران

لذلك لا يمكن فهم الأزمة الحالية باعتبارها مجرد أثر للحرب وحدها. البنك الدولي يصف الاقتصاد الإيراني بأنه يواجه تباطؤًا في النمو بسبب تشديد العقوبات، وتفاقم نقص المياه والطاقة، وارتفاع عدم اليقين.

وفي توقعاته الأحدث، يرجّح البنك انكماش الاقتصاد الإيراني 1.7 في المئة في 2025/2026 ثم 2.8 في المئة في 2026/2027، مع هبوط واضح في الصناعة والخدمات والاستثمار. هذا يعني أن الحرب لم تضرب اقتصادًا متماسكًا، بل ضربت اقتصادًا مثقلًا أصلًا بالاختلالات، فحوّلت أزماته المزمنة إلى أزمة معيشية أشد وأسرع.

أوضح تعبير عن ذلك يظهر في الأسعار. فوفق البنك الدولي، دفعت التوترات الجيوسياسية وتراجع العملة وتآكل الثقة إلى ارتفاع التضخم إلى 40.1 في المئة على أساس سنوي في الأشهر الخمسة الأولى من 2025/2026، بينما بلغ تضخم الغذاء 44.5 في المئة في الفترة نفسها. ثم يذهب البنك أبعد من ذلك في توقعاته، إذ يضع التضخم عند 49 في المئة في 2025/2026 و56 في المئة في 2026/2027. حين تصل الأسعار إلى هذا المستوى، لا تعود المشكلة نظرية في كتب الاقتصاد، بل تتحول إلى تآكل يومي في الأجور والمدخرات والقدرة على شراء الطعام والدواء والسكن. وهذا هو الوجه الاجتماعي المباشر لاقتصاد الحرب.

كلفة الفرضة الضائعة

ومن هنا يصبح مفهوم «كلفة الفرصة الضائعة» أكثر أهمية من الأرقام الخام للإنفاق العسكري. فالأزمة لا تعني فقط أن إيران تصرف مليارات على الجيش والحرس الثوري، بل تعني أيضًا أن المجتمع يدفع الثمن عبر الفقر والبطالة والتهميش. البنك الدولي يتوقع أن ترتفع نسبة الفقر عند خط الدول متوسطة الدخل العليا إلى 35.4 في المئة في 2025/2026 ثم إلى 38.8 في المئة في 2026/2027.

كما يُظهر أن معدل التشغيل مرشح للهبوط من 37.9 في المئة إلى 37.4 في المئة ثم 36.4 في المئة. وفي سوق العمل الشبابي، تبلغ نسبة من هم خارج العمل أو التعليم أو التدريب 24.3 في المئة في 2024. هذه المؤشرات تقول بوضوح إن فاتورة الأولويات العسكرية لا تُدفع في الجبهات فقط، بل في الأحياء والجامعات والمنازل أيضًا.

السابق
بيروت وعاليه تحت النار… غارات متزامنة وتصعيد واسع يطال الجنوب والبقاع
التالي
إخلاء جسر القاسمية بعد تهديد إسرائيلي… تدابير طارئة وسط تصعيد غير مسبوق