لم يكن الاغتراب اللبناني ظاهرةً طارئة، بل هو امتدادٌ تاريخي لمسارٍ طويل بدأ منذ أواخر القرن التاسع عشر، حين دفعت التحوّلات الاقتصادية والسياسية أعدادًا كبيرة من اللبنانيين إلى الهجرة نحو أميركا وأفريقيا وأوروبا. ومع تعاقب الأزمات، من الحرب الأهلية إلى الانهيار المالي بعد عام 2019، ترسّخ هذا المسار ليصبح أحد أبرز ملامح المجتمع اللبناني. غير أنّ قراءة الاغتراب بوصفه نزيفًا بشريًا فقط تبقى قراءة ناقصة، إذ إنّه، في الوقت ذاته، شكّل أحد أهم مصادر القوة غير المرئية للبنان.
الانتشار اللبناني: قوة اقتصادية ومعرفية عابرة للحدود
تشير التقديرات إلى أنّ عدد اللبنانيين المنتشرين في الخارج يفوق عدد المقيمين في الداخل، ما يعني أنّ لبنان، ككيان اجتماعي واقتصادي، يتجاوز حدوده الجغرافية الضيّقة. وقد لعب هذا الانتشار دورًا محوريًا في دعم الاقتصاد الوطني، سواء عبر التحويلات المالية التي شكّلت لعقودٍ شريانًا أساسيًا للاستقرار، أو عبر بناء شبكات أعمال دولية ساهمت في إدخال لبنان في الاقتصاد العالمي. إلا أنّ التحويلات، على أهميتها، تبقى أثرًا ماليًا ظرفيًا، بينما القيمة الحقيقية للاغتراب تكمن في رأس المال البشري والمعرفي الذي راكمه اللبنانيون في الخارج.
الشباب اللبناني المغترب: فاعل استراتيجي في مشروع النهوض
من هنا، يبرز دور الشباب اللبناني المغترب كفاعلٍ استراتيجي في أي مشروع نهوض. فهذا الجيل لم يكتفِ بتكرار أنماط الهجرة التقليدية، بل اندمج في بيئاتٍ متقدّمة، واكتسب مهارات في الإدارة الحديثة، والاقتصاد الرقمي، والحوكمة، والعمل المؤسسي. وقد أتاح له هذا الانخراط الاطلاع على نماذج دولية ناجحة في بناء الدولة، تقوم على الشفافية، والمساءلة، وفصل السلطات، وسيادة القانون. وهذه الخبرة، إذا ما نُقلت إلى الداخل، يمكن أن تشكّل قاعدةً لإعادة بناء مؤسسات الدولة اللبنانية على أسسٍ أكثر صلابة.
المعضلة البنيوية: غياب الدولة القادرة على استيعاب الكفاءات
غير أنّ الإشكالية لا تكمن في غياب الكفاءات، بل في ضعف البنية المؤسسية القادرة على استيعابها. فالدولة اللبنانية، كما أظهرت التجارب المتعاقبة، تعاني من خللٍ بنيوي يتمثّل في تداخل السياسة بالإدارة، وفي هيمنة منطق الزبائنية على حساب الكفاءة. وهذا الواقع يُضعف ثقة الشباب، ويدفعهم إلى البحث عن فرصٍ خارجية بدل الانخراط في عملية إصلاحٍ داخلية تبدو، في كثير من الأحيان، معقّدة وبطيئة.
الوحدة الوطنية: من الخطاب العاطفي إلى العقد الاجتماعي
وفي هذا السياق، تصبح الوحدة الوطنية شرطًا أساسيًا لأي تحوّل فعلي. إلا أنّ هذه الوحدة لا يمكن أن تُفهم بمعناها العاطفي أو الخطابي، بل يجب أن تُترجم في إطار عقدٍ اجتماعي جديد، يُعيد تعريف العلاقة بين الدولة والمواطن. عقدٌ يقوم على مبدأ المواطنة بدل الانتماءات الضيّقة، ويُرسّخ المساواة أمام القانون كقاعدةٍ لا استثناء. فالتجارب المقارنة تُظهر أنّ المجتمعات المتعدّدة لا تستقرّ إلا عندما تُدار تعدديتها ضمن مؤسساتٍ قوية، لا ضمن توازناتٍ هشّة.
سيادة القانون: الركيزة الأساسية لإعادة البناء
ومن هنا، يتقدّم القانون ليشكّل الركيزة الأساسية في عملية إعادة البناء. فسيادة القانون لا تعني فقط تطبيق النصوص، بل تعني وجود قضاءٍ مستقل، وإدارةٍ شفافة، وآليات مساءلة فعّالة. كما تعني، في بعدها الاقتصادي، توفير بيئةٍ آمنة للاستثمار، تحمي الحقوق وتحدّ من الفساد. وهذه الشروط مجتمعة تُشكّل الحافز الأساسي لعودة الطاقات الشابة، أو على الأقل لربطها بشكلٍ فعّال بالداخل.
الاقتصاد المنتج: من النموذج التقليدي إلى اقتصاد المعرفة
أما على المستوى الاقتصادي، فإنّ إعادة النهوض لا يمكن أن تعتمد على النماذج التقليدية، بل تتطلّب تحوّلًا نحو اقتصادٍ إنتاجي، قائم على المعرفة والابتكار. وهنا، يبرز دور الشباب، في الداخل والاغتراب، في قيادة هذا التحوّل، من خلال مشاريع ريادية، واستثمارات في القطاعات التكنولوجية، وتعزيز التكامل بين السوق المحلي والأسواق العالمية. إلا أنّ نجاح هذا المسار يبقى مرهونًا بإصلاحاتٍ بنيوية تشمل النظام المالي، والسياسات الضريبية، والبنية التحتية.
إعادة بناء الثقة الاجتماعية: دور الشباب في صياغة خطاب وطني جامع
اجتماعيًا، يواجه لبنان تحدّي إعادة بناء الثقة بين مكوّناته، وهي ثقة تآكلت بفعل الأزمات المتراكمة. وفي هذا الإطار، يمكن للشباب أن يلعبوا دورًا محوريًا في إعادة صياغة الخطاب العام، بعيدًا عن الانقسامات التقليدية، باتجاه خطابٍ وطني جامع، يركّز على المصالح المشتركة بدل الهويات المتنازعة. فالتغيير الثقافي، وإن كان بطيئًا، يشكّل شرطًا ضروريًا لأي تغييرٍ سياسي أو اقتصادي مستدام.
أزمة نموذج لا أزمة ظرف: جوهر المأزق اللبناني
في المحصّلة، لا يمكن اختزال أزمة لبنان في بعدها الاقتصادي أو السياسي فقط، بل هي أزمة نموذجٍ بكامله. وبالتالي، فإنّ النهوض يتطلّب إعادة نظر شاملة في طريقة إدارة الدولة والمجتمع. وفي قلب هذا التحوّل، يقف الشباب اللبناني في الداخل والاغتراب كأحد أهم عناصر التغيير، ليس فقط بما يملكونه من طاقات، بل بما يحملونه من رؤى مختلفة للمستقبل.
من الحنين إلى الشراكة: علاقة جديدة بين لبنان ومغتربيه
إنّ الرهان الحقيقي لا يكمن في عودة الجميع، بل في بناء علاقةٍ جديدة بين لبنان وأبنائه المنتشرين، علاقة تقوم على الشراكة لا على الحنين، وعلى الإنتاج لا على التحويلات فقط. وعندما تُبنى هذه العلاقة ضمن إطار دولة القانون، وعقدٍ اجتماعي عادل، يمكن للبنان أن يتحوّل من بلدٍ مُصدِّرٍ لأزماته إلى بلدٍ قادرٍ على استثمار تنوّعه وطاقاته.
في النهاية، يبقى السؤال مفتوحًا: هل ينجح لبنان في تحويل اغترابه من ظاهرةٍ دفاعية إلى مشروعٍ استراتيجي؟ الإجابة لا تتوقّف على الإمكانات، بل على الإرادة السياسية، وعلى وعي المجتمع، وعلى قدرة الشباب على الانتقال من موقع المتأثّر بالأزمة إلى موقع الفاعل في تغييرها.

