نعيش اليوم مفارقة مجتمعية وسياسية صارخة، تختصرها صورتان متناقضتان اختبرهما لبنان خلال الاشهر القليلة الماضية. صورة الحياة والفرح التي جسدها برنامج “يلا ندبك”، حيث توحد اللبنانيون خلف فرق دبكة من مختلف المناطق، في مشهد نادر كسر الحواجز الطائفية والمناطقية. ففرقة برجا من الشوف نالت دعما من ابناء كسروان، وفرقة شمس بعلبك حصدت تصويتا من الجبل والاشرفية والشمال، فيما حظيت فرقة جذور الجنوبية بتأييد عابر لكل الانقسامات. هناك، بدا لبنان كما يجب ان يكون واحدا، حيويا ومفعما بالحياة.
في المقابل، تتقدم اليوم صورة اخرى قاتمة تظهر لبنان المنقسم والمثقل بالأزمات والخوف، والغارق في جدل حول الحرب وجدواها، وما احدثته من انقسام العمودي بين أبناء الشعب الواحد ، في وقت تتبنى فيه الدولة اللبنانية نهج الدبلوماسية الذي، رغم بطئه، يبقى أقل ضررا وكلفة من خيار المواجهة العسكرية التي لا تجلب سوى الدمار والنزوح وتعميق الانقسام الداخلي.
بين هاتين الصورتين، لا يعود السؤال ترفا فكريا او مزحة تتجاوز الواقع، إنما يتحوّل إلى مسألة مصير: أي لبنان نريد؟ لبنان “يلا ندبك”، أم لبنان “يلا نقصف”؟
فبرنامج “يلا ندبك”، الذي عرض على مدى اشهر وحظي بمتابعة داخلية وخارجية، ليس مجرد برنامج ترفيهي، بل يشكل نموذجا للبنان القوي بصورته الحضارية والفنية، كنموذج حي للقوة الناعمة. هذه هي صورة لبنان التي طبعت تاريخه السياسي المعاصر، بلد الثقافة والفن والانفتاح. لقد اعاد هذا البرنامج احياء الهوية الثقافية والفلكلورية اللبنانية، واتاح مساحة لتجاوز الانقسامات بين اللبنانيين من دون اي تدخل سياسي. فالفن والرقص ليسا مجرد وسيلة للبهجة، بل يدخلان في صلب مفهوم القوة الناعمة، تلك التي تعزز حضور لبنان ومكانته في نظر العالم.
ولعل هذا ما يفسر حجم التعاطف الدولي مع لبنان، حيث يسعى اصدقاء هذا البلد الصغير الى تجنيبه كلفة الحروب والمغامرات غير المحسوبة. فاللبناني، عندما يترك له الخيار، يميل بطبيعته الى الفرح والتنمية والازدهار والوحدة الوطنية، لا الى الصراعات المفتوحة. لقد اظهر “يلا ندبك” وجده لبنان الحقيقي، لبنان الذي يتألق كلما غابت الانقسامات، وتراجعَا منطق تقديم مصالح الخارج على المصلحة الوطنية.
اما البرنامج الدموي “يلا نقصف”، الذي فرض على اللبنانيين عموما واهل الجنوب خصوصا، فقد خلق مشهدا حزين ومغايرا لما يريده المواطن اللبناني، حيث بث الخوف والنزوح والقلق على المصير. فتكلفة الحرب اكبر بكثير من تكلفة الدبلوماسية، والجميع يعرف من التجارب السابقة ويلاتها، بما هي انقسامات داخلية، خسائر في الارواح والممتلكات، وفقدان الطمأنينة لدى كبار السنن، والاطفال الذين يعيشون خوفا دائما، مما يضاعف الهشاشة المجتمعية.
فالحرب تولد التوتر بين المكونات الطائفية والمجتمعية، وتترك اثرا نفسيا طويل المدى، بينما الدبلوماسية تمنح الفرصة لبناء الاستقرار والوحدة. هذه مقارنة بسيطة بين الاصرار على السلاح والخوض في الحروب نيابة عن الآخرين، وبين الاصرار على الاستقرار والحياة. والسؤال المطروح راهنا هل هذا ما يريده اللبنانيون حقا؟
في الواقع، وبعيد عن اي مصادرة لمصيرنا، لا خلاف حول من هو العدو، فهناك اجماع بين اللبنانيين على ان اسرائيل تشكل مصدر تهديد لنا. لكن هذا لا يعني ان كل تهديد يجب مواجهته بالحرب او بقرارات فردية، او بفعل عسكري غير منضبط، تقوم به جهة منفردة دون مراعاة المصلحة الوطنية. الحروب التي تخاض بتفرد، وتغيب فيها الدولة والمجتمع المتنوع، تمنح العدو مبررا لتدمير البلد، وتزيد الانقسامات الداخلية، وتعرض لبنان وشعبه لمخاطر جسيمة على كل الاصعدة.
ليس من فراغ ان جميع النظريات السياسية تؤكد على الدور العقلاني للدولة، من خلال حصر السلاح بيدها واسناد تقدير المصلحة الوطنية،حربا ام سلما،لمؤسساتها الدستورية. بهذه الطريقة، يمكن حماية لبنان، وتقليل الخسائر، وتعزيز الوحدة الوطنية عبر الاجماع على قرارات الحكومة في مسائل الحرب والسلم. فلا يوجد بلد في العالم يقبل ان ينام شعبه على هدوء واستقرار، ثم يستيقظ على حرب لا ناقه له فيها ولا جمل.
لبنان اليوم امام خيار واضح لا لبس فيه: اما ان يكون الفرح، الاقتصاد المزدهر والوحدة الوطنية، بلد “يلا ندبك” الذي يجمع اللبنانيين على الفن والثقافة والحياة، او ان يكون ساحة للصراعات والدمار، أي بلد “يلا نقصف” الذي يزيد الانقسامات ويخاطر بمستقبل ابنائه. لقد اثبتت التجارب ان القوة الحقيقية للبنان ليست في السلاح فحسب، بل في وحدته، في ثقافته، وفي قدرته على توحيد مواطنيه حول مشروع حياة يحقق الامان والاستقرار للجميع. الدولة وحدها، عبر مؤسساتها الشرعية، هي القادرة على حماية لبنان، وضمان ان تتخذ قرارات الحرب والسلم بما يخدم المصلحة الوطنية لا مصالح خارجية او فئوية. اللبنانيون يستحقون بلدا سعيدا يفرحون فيه، يرقصون ويتلاقون، لا بلدا يعيشون فيه الخوف والنزوح. الخيار امامنا واضح:نريد لبنان “يلا ندبك”، لا لبنان “يلا نقصف”.

