الملجأ ليس هندسةً من إسنادٍ وحجر، بل هو تلك المسافة الوجدانية الفاصلة بين صرخة الولادة وأنين الفناء، هو الحيّز الذي نبتدعه حين تضيق بنا الأرض، فنلوذ بوهم السكينة هربًا من حقيقة الردم. إنه فلسفة الارتماء في الغيب حين تسقط السقوف، وعلم الغبار الذي يغدو كفنًا وسترًا في آنٍ معًا. في وجداننا، الملجأ صيرورة من الخوف المقطّر، وجغرافيا منزاحة تبدأ من زاوية بيتٍ متهالك، وتنتهي برصيفٍ موحشٍ يفترشه من ضاقت به الجهات، حيث يغدو الحجر ألين من قلوب البشر، وتصبح السماء المصدر الوحيد للعدالة والردى في آنٍ واحد.
الملجأ الأول: ذاكرة الطفولة بين الإنذار وحضن الأم
منذ نكسة عام 1967، والوعي يُصاغ على إيقاع الانفجار. لم تكن طفولتنا لهوًا، بل كانت رصدًا لزفرات الإنذار التي تحيل الأزقة والقرى إلى محاريب يختلط فيها تراب الأرض برعشات النفوس المنذورة للقلق. كنا نبتكر في ذلك الممر العتيق أمانًا وهميًا ننسجه بدعوات الأمهات الصاعدة كالبخور، نعدّ الثواني الفاصلة بين الوميض والصوت، ونقتات على نبوءة رحيمة تهمس لنا بأن الموت قد أخطأنا هذه المرة. كنا نظن أن القذيفة التي تتجاوزنا هي ميلادٌ جديد، وأن التي تقتلنا هي الصامتة التي لن نمتلك ترف سماع أنينها وهي تمزّق لحم الوجود. لكن الملجأ الأسمى، والدرع الذي لم يثقبه رصاص، كان حضن الأم؛ ذلك الميناء الذي كان يلمّ شتات أرواحنا الغضّة وسط زحام الجيران، فيحوّل عتمة القبو إلى سعةٍ من اليقين، وضيق المكان إلى فضاءٍ تسكنه الطمأنينة، حيث كانت أياديها تشدّنا بحماية غريبة تخاطب جبروت الحرب: “خذني إلى الموت، لكن دع صغاري يعيشون”.
ومع توحّش آلات الإبادة، تهاوت فكرة الملجأ المادي، واستحالت حياتنا صيرورة من نزوحٍ ينهش نخاع الكرامة. اليوم، يتجلّى الملجأ في صورته الأكثر عريًا وفجيعة؛ في تلك السيارة “الرابيد” المركونة على قارعة التيه، والتي تحوّلت بجوفها الضيق إلى وطنٍ بديل يضمّ بقايا عمرٍ مبعثر، وعائلةٍ تفترش الرصيف تحت سياط الشتاء القارس. هناك، في الصقيع الذي يكسر العظام، تتشظّى القيم وتتبعثر الأحلام وسط برك الماء المالح، حيث يختبر الإنسان معنى العراء الوجودي، ويرقب مواسم زيتونه وهي تذوي حزنًا، لأن اليد التي كانت تباركه كبّلها القهر. وفي غمرة هذا الوجع، يطلّ الخطاب الرسمي بعباراتٍ معلّبة، يسكب وعود الصمود فوق جراحنا، وهو لا يدرك أن الصمود الحقيقي هو أن يحافظ المرء على طهر إنسانيته وهو يواجه غوائل البرد والخذلان.
من الركام إلى الأصالة: حين يصير الإنسان هو الملجأ
أقف اليوم فوق هذا الركام، لا لأنظر إلى حطام الحجر، بل لأبصر انبلاج الفجر من عيونٍ استمالت الضوء في مآويها القسرية. إن الملجأ الحقيقي لم يكن يومًا في قبوٍ مظلم، ولا في حديد سيارة متهالكة، بل في تلك الأنفة التي تأبى الانكسار رغم سيل الشتاء، وفي تلك الزغردات التي ترافق القوافل الصاعدة نحو ذرى المجد، مؤكدةً أن الأرض التي تكتنز في جوفها طهر الوفاء هي المبتدأ والمنتهى. إننا نعبر اليوم من ضيق القهر إلى سعة الأصالة، حيث يغدو الصبر جسرًا لوطنٍ لا يُستجدى فيه الأمان، بل يُنتزع انتزاعًا بكرامة الإنسان المجبولة بطين هذه الأرض. الصمود ليس انتظارًا للموت، بل هو رقصة النهار فوق غبار الدمار، هو اليقين بأن الحق المسقوف بالتضحية لن تطاله قذيفة، وأننا نحن الملجأ حين نصير للوطن صدرًا، وللأرض سياجًا، وللمستقبل منارًا يستعيد وجهه السليب من بين أنياب التدمير والنسيان.

