بين الاحتلال الاسرائيلي وولاء المحاور: هل يلتقط شيعة الجنوب فرصة الدولة قبل فوات الأوان؟

سلام في الجنوب

قبل اجتياح عام 1982، كانت البيئة الشيعية في جنوب لبنان مختلفة جذريًا عمّا هي عليه اليوم.

في ذلك الزمن، رفض كثيرون من أبناء الجنوب السلاح الفلسطيني داخل البيوت، ورفضوا إطلاق الصواريخ من القرى، ورفضوا أي حضور عسكري يستجلب ردًا إسرائيليًا يجعل المدنيين وقودًا لمعركة لا تشبه أولوياتهم ولا تعبّر عن مصالحهم المباشرة.

كان الوعي الشعبي يومها بسيطًا وواضحًا: نريد أن نعيش، لا أن نُستخدم.

وحين بدأ اجتياح 1982، لم يشهد الجنوب، في لحظاته الأولى، مشهد النزوح الجماعي الكاسح الذي نراه اليوم.

بقي الناس في بيوتهم وبلداتهم، فيما انسحبت فصائل منظمة التحرير الفلسطينية والحركة الوطنية إلى ما وراء نهر الأولي، تفاديًا لتحويل الجنوب إلى مذبح مفتوح. لذلك، جرت المعارك الكبرى في مناطق بعيدة نسبيًا عن الكثافة السكانية، كقلعة الشقيف وأرنون وغيرها.

لكن الصدمة الكبرى لم تكن فقط في الاجتياح، بل في رد الفعل الشعبي الذي رافقه.

فقد شهدت بعض القرى الجنوبية حالة ارتياح واضحة لدى شريحة واسعة من البيئة الشيعية، وصلت إلى حدّ رشق الدبابات الإسرائيلية بالأرز، وتعليق لافتات ترحّب بالقوات الغازية، لا حبًا بالاحتلال، بل تعبيرًا عن توق عارم إلى الخلاص من سلاحٍ رأوا فيه سببًا متراكمًا للخراب والدمار والنزف والتهجير.

وحين كان يعلو صوتٌ آخر، من يساريين ووطنيين جنوبيين أو مناهضين للاحتلال، كان يُواجَه أحيانًا بالتخوين والتحريض والاتهام بالعمالة للفلسطينيين، وصولًا في بعض الحالات إلى الوشاية لدى مخابرات الاحتلال وعملائه المحليين.

وحين بدأت تتشكّل لاحقًا نواة مقاومة وطنية ضد الاحتلال، لم تُستقبل بحفاوة شاملة من البيئة نفسها.

بل كان السؤال الذي تردّد يومها بمرارة: “ماذا يريد هؤلاء منّا بعد أن تخلّصنا من الفلسطيني؟ هل يريدون إعادتنا إلى التعتير والدمار والتضحية من جديد؟”

ما الذي تغيّر؟

هنا تصبح المقارنة بين الأمس واليوم أكثر من ضرورية.

فالعدو لم يتغيّر: إسرائيل هي إسرائيل.

لكن الذي تغيّر، في العمق، هو طبيعة الولاء، وشكل السلاح، وهوية الجهة التي تدير الحرب من أرض الجنوب.

بالأمس، كانت البيئة الشيعية ترفض أن تُستخدم أرضها منصة لحروب الآخرين.

أما اليوم، فقد تحوّل جزء واسع منها إلى حاضنة لسلاحٍ لا يكتفي بإدارة الحرب من الجنوب، بل يفرض على الجنوب أن يكون خط النار الأول، وأن يدفع وحده الثمن البشري والعمراني والاقتصادي.

بالأمس، كانت غالبية الناس ترفض الصواريخ من بين البيوت.

أما اليوم، فقد صار الاعتراض على تدمير البيوت نفسها يُعامل كخيانة.

بين نوعين من العمالة: فخّ الاحتلال وفخّ المحور

المشكلة اليوم لم تعد فقط في السلاح، بل في الخيارات التي يدفع الشيعة ثمنها مرتين.

هناك دائمًا خطر السقوط في عمالة الخوف:

أي أن يدفع الرعب من الاحتلال الإسرائيلي، والدمار، والتهجير، بعض الناس إلى البحث عن خلاص فردي أو موضعي أو أمني بأي ثمن، كما حصل في بدايات احتلال 1982، حين تحوّل الخوف والإنهاك إلى باب للتكيّف مع العدو، بل إلى أشكال من التعاون معه.

لكن في المقابل، هناك خطر آخر لا يقل فداحة:

عمالة المشاريع الخارجية، حين يُختزل مصير الطائفة والجنوب ولبنان كلّه في وظيفة إقليمية تخدم حسابات عواصم أخرى، وتُدار بعقيدة فوق الدولة، وفوق المجتمع، وفوق المصلحة الوطنية.

الفرصة التاريخية: الدولة كمخرج شيعي وطني

بين هذين الفخّين، يجد الشيعة أنفسهم اليوم أمام أخطر امتحان تاريخي: إمّا أن يُستدرجوا مجددًا إلى أحد شكلَي الارتهان،

وإمّا أن يلتقطوا الفرصة الوحيدة المتاحة للخروج من المأزقين معًا: الدولة.

للمرة الأولى منذ عقود، هناك مناخ دولي وإقليمي نادر يدعم بوضوح فكرة بناء دولة لبنانية قوية، قادرة، ممسكة بقرار الحرب والسلم، وبسيادة جيشها ومؤسساتها وحدها.

وهذه ليست فرصة نظرية، ولا شعارًا إنشائيًا. إنها، بالنسبة إلى الشيعة قبل غيرهم، مخرج مثالي وتاريخي.

الدولة هي شبكة الأمان الوحيدة التي تحمي الشيعة من أن يكونوا وقودًا دائمًا بين فكي الاحتلال من جهة، والمحور من جهة أخرى.

هي التي تعيدهم من موقع “الجبهة” إلى موقع “المواطن”. من موقع “الأداة” إلى موقع “الشريك”.

السابق
لبنان يدين «مخطط الكويت» ويؤكد الحظر على أنشطة «الحزب»!
التالي
محمود قماطي يشعل أزمة بتصريحاته عن «الإعدامات» والانتقام بعد الحرب.. هذا ما قاله حرفيا