كلما ارتفعت أصوات القصف فوق التلال الجنوبية، تتساقط الأسئلة مثل المطر الغزير على المدن اللبنانية: من سيبقى؟ ومن سيهرب؟ وكم سيبقى من المنازل بعد أن تتحول القرى إلى رماد؟ الجنوب اللبناني ليس مجرد أرض، إنه ذاكرة، وموطن، وصرخة مدفونة تحت تراب سنوات النزاع.
ذاكرة الاحتلال تعود من جديد
عندما احتلت إسرائيل الجنوب بين عامي 1982 و2000، كانت العائلات تهرب من قراها كما يهرب الأطفال من المطر الحارق: لا منازل، لا طرق سالكة، لا أمان. واليوم، مع حديث القوات الإسرائيلية عن أي عملية برية، يبدو المشهد وكأن التاريخ يُعاد، لكن هذه المرة المدن اللبنانية نفسها على خط النار.
صيدا، صور، النبطية، بيروت… هذه المدن ليست مجرد مراكز استقبال للنازحين، بل خزانات بشرية على وشك الانفجار.
المدارس مزدحمة، المستشفيات تكاد تنهار، والماء والكهرباء يختفيان بين يوم وآخر. تخيّل عشرات آلاف العائلات تتدفق فجأة، تبحث عن ملجأ، تبحث عن بقايا حياة، تبحث عن منازل لم تعد موجودة.
ارتفاع الإيجارات ليس مجرد رقم، بل خنجر في ظهر العائلات الفقيرة. القاعات تتحول إلى مراكز إيواء، والأحياء تتحول إلى مخيمات مؤقتة، حيث ينام الناس على الأرض، ويحلمون بغدٍ لا يبدو قادمًا.
التوتّر يتفشى مثل السم
جنوب لبنان يعتمد على الزراعة والتجارة الحدودية. توقف أي نشاط يعني فقرًا مضاعفًا وبطالة ممتدة. الأسواق التي كانت صاخبة يومًا تصبح صامتة، والموظفون والباعة يصبحون وجوهًا على لوحات انتظار، كل واحد منهم يحاول التمسك بما تبقى.
التوتر الاجتماعي يشتعل: النازحون المحليون والوافدون يتصارعون على المياه، وعلى الطعام، وعلى الحياة نفسها.
تخطيط الجيش الإسرائيلي المعتاد يبدأ بالسماء: تمهيد جوي على مواقع حزب الله العسكرية والمالية، ثم تقدم بري محدود للسيطرة على القرى والتلال. المنطقة العازلة قد تصبح واقعًا، لا مجرد خطط.
حتى العمليات القصيرة، التي تبدو “محدودة”، هي سوط على ظهور المدنيين: المنازل تتحطم، والطرق تختفي، والألغام تنتظر العودة كما لو أنها فخ الزمن. العودة إلى القرى؟ ربما بعد سنوات، وربما… لن تعود بعض القرى أبدًا كما كانت.
ليست القذائف وحدها ما يقتل، بل غياب الأمان، وغياب الخدمات، وغياب الدولة. كل لحظة في هذه المنطقة تحمل شبح نزوح جديد. كل تلال الجنوب تشهد على تجربة قد تتكرر، لكن هذه المرة، المدن اللبنانية كلها على الخط الأمامي.
لبنان أمام انهيار جديد
المدن ستنهار تحت ضغط النزوح، ولن تكون هناك حلول سريعة، إلا إذا تحركت الدولة بسرعة، مع دعم دولي عاجل، لإعادة الإعمار وتأمين حياة من تبقى. وإلا، فإن الجنوب سيصبح مدينة أشباح حية، ولبنان كله سيشهد موجة نزوح جديدة لا تقل قسوة عن التاريخ الذي يرفض أن يُنسى.

