أي عقل يمكن أن يقتنع بأن مستقبلاً يُبنى بعد أن تُدمَّر المدن ويُهجَّر الناس وتُحرق الأرض؟ أي منطق سياسي هذا الذي يقنع الناس بأن الخراب طريق إلى النهوض، وأن الحروب بوابة الغد؟
في منطقتنا تحوّلت الحروب إلى مشاريع سياسية، وتحول الناس إلى وقود لها. الصراع بين إيران وأميركا، والذي تُدار فصوله أحياناً على أرضنا، لا يدفع ثمنه أصحاب القرار بقدر ما يدفعه اللبنانيون، وخصوصاً البيئة التي توضع في قلب المواجهة كل مرة.
في لبنان يدفع الشيعة الثمن الأكبر كلما اشتعلت الجبهات، لأنهم وُضعوا في خط النار بحكم موقع السلاح وخيارات الصراع الإقليمي. القرى تُقصف، الناس تُهجَّر، والاقتصاد ينهار، ثم يأتي من يقول إن كل هذا هو طريق القوة وبناء المستقبل.
ليتحمّل المسؤولية صاحب القرار
والحقيقة المؤلمة أن من يتحمّل مسؤولية دمار هذه البيئة وتهجير أهلها هو من يقرّر عنها من دون أن يأخذ رأي معظمها، ومن يضع الدولة أمام الأمر الواقع بقرار الحرب والسلم، ثم يطلب من الناس أن تتحمّل النتائج. فالمجتمع الذي لا يُستشار في مصيره يُدفع دائماً لدفع الثمن وحده.
لكن أي مستقبل هذا الذي يبدأ بالدمار؟ وأي دولة يمكن أن تُبنى فوق بيوت مهدّمة وناس مشرّدين؟ التجارب كلها تقول إن المجتمعات التي تُستهلك في الحروب تفقد سنوات طويلة من عمرها، بينما الدول التي تبني مستقبلها تفعل ذلك بالاستقرار والاقتصاد وبالدولة لا بالمواجهات المفتوحة.
المشكلة ليست في طائفة ولا في مذهب، بل في من يقرّر مصير الناس من دون أن يدفع الثمن معهم. فالحروب التي تُخاض بالشعارات غالباً ما تنتهي بمدن مدمّرة وشعوب متعبة، بينما المنتصر الوحيد فيها يكون الخراب نفسه.
ومن هنا، لا خلاص حقيقياً للبنان ولا لأي بيئة فيه إلا بالدولة: دولة القرار الواحد، والسلاح الواحد، والمسؤولية الواحدة. فالدولة وحدها تملك حق حماية الناس، لا زجّهم في حروب يدفعون ثمنها من بيوتهم وأرزاقهم ومستقبل أولادهم.

