الدولة فوق الجميع.. لا وصاية ولا مصادرة لأصوات النازحين في المدارس الرسمية

النزوح

ما جرى في المدارس الرسمية التي تحوّلت إلى مراكز إيواء للنازحين ليس تفصيلًا عابرًا في مشهد الفوضى العامة، بل مؤشر خطير إلى انزلاق إضافي نحو مصادرة ما تبقى من هيبة الدولة وحقوق الأفراد.

فالنازح الذي اقتُلع من أرضه تحت وطأة القصف لا يجوز أن يُقتلع مرة ثانية من حقه في الكلام، ولا أن يُحاصر بصمتٍ مفروض بقوة الأمر الواقع،إن منع الصحافيين من الوصول إلى المتضررين أو التضييق على حرية التعبير داخل مراكز الإيواء يشكّل انتهاكًا مضاعفًا،انتهاكًا لكرامة الإنسان أولًا، واعتداءً على مبدأ الشفافية والمساءلة ثانيًا. فحين يُحجب الصوت، لا يُحمى الاستقرار، بل تُطمس الحقيقة.

إن المدارس الرسمية ليست مربعات أمنية مغلقة ولا مناطق نفوذ حزبي، بل مؤسسات عامة تموَّل من المال العام وتخضع لسلطة الدولة وحدها،وأي محاولة لفرض وصاية سياسية أو أمنية عليها تعني عمليًا نقل منطق القوة الموازية إلى فضاء يفترض أنه محايد وخاضع للقانون.

الأخطر من ذلك أن النازحين، وهم الفئة الأشد ضعفا في أي صراع، يتحولون إلى رهائن سردية واحدة، يُمنعون من رواية معاناتهم كما عاشوها، ويُحرم الرأي العام من الاطلاع على حقيقة أوضاعهم الصحية والاجتماعية والإنسانية،فيتحول الألم الفردي إلى مادة مُدارة، لا شهادة حرة.

إقرأ أيضا: علي الأمين: المزاج العام يتبدل.. واللبنانيون يلتفون حول الجيش كمرجعية وحيدة

إن حماية النازحين لا تقتصر على تأمين سقف يأويهم، بل تشمل صون حريتهم الشخصية وحقهم في الوصول إلى الإعلام والجهات الإنسانية من دون خوف أو ضغط. هنا تبرز ضرورة الحضور الواضح للجيش اللبناني والقوى الأمنية الرسمية داخل هذه المراكز، لا بوصفه استعراضًا للقوة، بل كترجمة عملية لمبدأ احتكار الدولة للعنف المشروع وقرار الأمن العام.

ان وجود المؤسسات الشرعية وحده كفيل بمنع أي جهة من فرض إملاءاتها، وبطمأنة العائلات المهجرة إلى أن كرامتها مصونة بالقانون لا بموازين القوى، وأن المدرسة التي احتمت بها ليست مساحة نفوذ بل مساحة أمان.

إن استمرار الفراغ أو التراخي في بسط سلطة الدولة على مراكز الإيواء يفتح الباب أمام تكريس أمر واقع خطير، حيث تتحول المأساة الإنسانية إلى مساحة نفوذ سياسي، ويتحوّل النازح من ضحية حرب إلى عنصر في معركة سرديات.

وحين تُدار المرافق العامة بعقلية الأمر الواقع، تتآكل فكرة الدولة من الداخل، ويصبح القانون وجهة نظر لا مرجعية ملزمة. المطلوب اليوم مقاربة  صريحة تعيد الاعتبار لمفهوم الدولة الراعية لجميع مواطنيها بلا تمييز، وتؤكد أن أي سلاح أو سلطة خارج الإطار الشرعي لا يمكن أن تكون مرجعية في إدارة الشأن العام، لا في الجنوب ولا في الضاحية ولا في أي بقعة لبنانية.

المسؤولية وطنية بامتياز، واللحظة لا تحتمل التردد،إن إعادة تثبيت سلطة المؤسسات الأمنية داخل المدارس الرسمية، وضمان حرية الإعلام في أداء دوره، ليسا ترفًا ديمقراطيًا بل صمّام أمان وطني.

الدولة مطالبة بأن تحمي صوت مواطنيها، وأن تثبت أن الكرامة الإنسانية ليست شعارًا يُرفع في البيانات، بل قاعدة تُطبَّق تحت سقف كل مدرسة، وفي وجه كل محاولة وصاية….

السابق
بينما تُغيثهم الدولة.. يصادر «الثنائي» أصواتهم: مراكز النزوح تحت “الاحتلال الحزبي”
التالي
ماكرون: مشاركة دفاعية في الحرب لدعم الكويت والامارات وقطر! وخطأ استراتيجي لاسرائيل بدخول لبنان!