من دمشق إلى الذاكرة: شهادة لبنانية على سوريا ما بعد الأسد

علي الامين نبيل مملوك

عقد منتدى جنوبية مساء الثلاثاء ندوة بعنوان «سوريا الجديدة: رحلة في الوجوه والذاكرة»، استندت إلى وقائع زيارة رئيس تحرير موقع جنوبية الصحافي علي الأمين ورفاقه إلى دمشق في الخمس من شهر شباط الحالي، تلبية لدعوة افتتاح معرض دمشق الدولي للكتاب في العاصمة السورية. وقد حضر الندوة عدد من الاعلاميين والناشطين المهتمين بالشأنين السوري واللبناني.

قدّم الندوة الصحافي نبيل مملوك، فيما تحدث الأمين محاضراً، ناقلاً انطباعاته ومشاهداته من بلد يحاول الخروج من ركام الحرب وبناء صورة جديدة للدولة والمجتمع.

«زرنا سوريا كلبنانيين… لا كأبناء البلد»

استهل نبيل مملوك الندوة بالإشارة إلى أن الزيارة جاءت بدافع إنساني قبل أي اعتبار آخر، قائلاً إن الفرح لم يكن خافياً بعد سقوط النظام الذي طالما دافع عنه أنصاره في لبنان. وأضاف: «سوريا اليوم تبني دولتها الجديدة وتُرمّم نفسها، والأمل كبير بنجاحها، وعلينا في لبنان أن نستفيد من التجربة السورية في إعادة بناء الدولة».

من جهته، شدّد علي الأمين على أنّ الوفد زار سوريا «بصفة لبنانية»، مذكّراً بأن آخر زيارة شخصية له تعود إلى عام 2003، وأن صورة البلاد كانت دائماً مرتبطة في الوعي العام بالسجون والحدود والاعتقالات، ومنها سجن المزة.

وأوضح أنه وقف منذ البداية مع الثورة السورية، وشارك في ندوات ومؤتمرات داعمة لها في الداخل والخارج. الدعوة هذه المرّة جاءت من وزارة الثقافة السورية للمشاركة كضيف شرف في معرض الكتاب، وكانت مناسبة للقاء عدد من مسؤولي «النخبة الجديدة» التي تدير البلاد.

وعلى الحدود، واجه الأمين مشكلة أمنية بسبب إدراج اسمه على لوائح المنع منذ عهد النظام السابق، لكن الإشكال حُلّ خلال أقل من ساعة، لافتاً إلى «السلوك المهني واللائق» لعناصر الأمن العام السوري.

بلا صور للرئيس… والناس تتكلم بحرية

من أبرز ما لفت الأمين في دمشق غياب صور قادة الحكم الجدد، بما في ذلك الرئيس أحمد الشرع، وعدم وجود شعارات حزبية أو دينية، باستثناء العلم السوري في بعض الأماكن. وعندما سأل عن ذلك، جاءه الجواب بأن الشرع نفسه أمر بعدم تعليق صوره تحت طائلة المحاسبة.

الحياة اليومية بدت «طبيعية»، والحواجز الأمنية القليلة لا يشعر بها المارّ بسبب حسن سلوك العسكريين، فيما الناس — بحسب وصفه — «تواقة إلى السلم والأمان».

وأشار الأمين إلى أن أحد مستشاري الرئيس أبلغه بأن الأزمة الأبرز حالياً هي أزمة النازحين من المدن المدمّرة، ويُقدّر عددهم بنحو ستة ملايين شخص، تليها الأزمة الاقتصادية، رغم زيادة الرواتب مؤخراً، في ظل غلاء متصاعد ينذر بتحديات قادمة.

وسجّل ملاحظة «مربِكة» تتعلق بالقضاء السوري، حيث يجري إعطاؤه وجهاً إسلامياً عبر استحداث مناصب استشارية لرجال دين داخل المحاكم. في المقابل، أكد أن هامش الحرية توسّع بشكل واضح، وأن الناس يتحدثون في السياسة والاقتصاد وسواهما من دون خوف.

السيدة زينب وبُصرى: جراح الحرب أعمق من الخراب

وخلال الزيارة، قصد الوفد مقام السيدة زينب، حيث لاحظ الأمين إدارة جيدة وأمناً مستقراً، لكن مع غياب شبه كامل للزوّار القادمين من الخارج، مقارنة بالسنوات السابقة. المقام بدا شبه خالٍ، مع عدد محدود من الزوار المحليين، علماً أن غالبية سكان الحي من المسلمين السنّة.

وأشار إلى أنّ المبالغات السابقة في التحشيد ورفع الشعائر، إضافة إلى الحملات المكثفة التي كانت تنظّمها إيران وحزب الله في عهد نظام بشار الأسد، دفعت الحكومة السورية الجديدة إلى التريّث في تنظيم زيارات جماعية من الخارج.

وفي شهادة مؤثرة، نقل الأمين كلام أحد أبناء بُصرى المهجّرين والمقيمين قرب المقام، الذي قال إنهم حاولوا قبل التهجير إقناع مسؤولي حزب الله بإبعاد المدينة عن التدخل العسكري، حفاظاً على نسيجها الاجتماعي. وأضاف أن تصريح نعيم قاسم لاحقاً بأن المدينة «كانت ساقطة عسكرياً» شكّل صدمة إضافية للمهجّرين، مؤكداً أن «ما دُمّر في بُصرى هو النفوس قبل البيوت، والعودة لن تكون قريبة».

عداء متصاعد ضدّ حزب الله

وتوقف الأمين عند تحوّل المزاج الشعبي في سوريا، حيث بات العداء لحزب الله — للأسف — أشد من العداء لـ إسرائيل، بسبب التدخل العسكري وما خلّفه من أحقاد طائفية بفعل مجازر النظام وحلفائه بالشعب. ونقل عن مسؤول سوري قوله إن «الجرح كبير»، مع تأكيد أن دمشق الجديدة لن تتدخل في الشأن اللبناني.

وفي سياق متصل، أشار إلى أن الدولة السورية طلبت من المواطنين الشيعة تنظيم شؤونهم عبر تشكيل لجنة تتواصل مع الجهات الحكومية لبحث الحقوق والواجبات كمواطنين سوريين.

أما على مستوى الخدمات، فقد لفت إلى تحسّن ملحوظ في الكهرباء والمياه، مع تغذية تقارب 80 في المئة.

وبالنسبة، لفعاليات المعرض نفسه، فان اللافت حسب الامين هو مناخ الحرية، مع العلم ان وجود العرب كان كثيفا في المعرض، خصوصا دور النشر السعودية والقطرية، من غير ان تكون الكتب حصرا على المؤلفات الدينية كما حاول البعض اشاعته، فقد كان حضور مؤلفات مفكرين عصريين وطنيين وقوميين وحدثاويين كبيرا، دون تسجيل وجود رقابة ومنع حسب تأكيد احد المسؤولين عن معرض دمشق الدولي للكتاب.

السابق
الصحف السوريّة تعكس اهتمامًا متشعّبًا بملفّات «قسد» والتشريع والوجود الأميركي والتبادل التجاري
التالي
اليونيفيل والجيش اللبناني ينجزان عملية تعطيل قذيفتين في العديسة