ليست المسافة بين عين الرمانة والضاحية ما يصنع الاختلاف، بل الخطاب الذي يُصرّ على تحويل الأمتار القليلة إلى حدود ثقافية ونفسية…
حين يُقدَّم التنوع بوصفه انقسامًا، ويُقرأ الواقع الاجتماعي بعيون الفرز لا الفهم، يصبح الحديث عن «ثقافتنا وثقافتهم» إعادة إنتاج ناعمة لمنطق قديم لم يجلب للبنانيين سوى مزيد من العزلة المتبادلة.
الفرز الثقافي
اللافت في هذا النوع من الخطاب أنه يتجاهل سؤالًا بديهيًا: هل الثقافة تُنتَج في الفراغ، أم هي نتيجة مسارات سياسية واقتصادية واجتماعية طويلة؟ الضاحية ليست “نصًا ثقافيًا” مغلقًا، كما أن عين الرمانة ليست مختبرًا لقيم خالصة. كلاهما، مثل كل لبنان، ابنا الدولة الغائبة، والحروب المتراكمة، والاقتصاد المنهار، والخوف المزمن من الآخر.
في بلد يعيش واحدة من أقسى أزماته الوجودية، يصبح هذا الفرز الثقافي ترفًا خطيرًا. الناس اليوم لا تعاني من فائض هوية، بل من نقص في الخبز، والكرامة، والأمان. الجنوب تحت النار، والحدود مفتوحة على احتمالات سوداء، وغزّة تنزف، والمنطقة كلها على صفيح ساخن. في مثل هذا الزمن، يُفترض بالخطاب السياسي أن يبحث عمّا يجمع الناس لا عمّا يصنّفهم.
ثقافة حياة وثقافة موت
المشكلة لا تكمن في الإشارة إلى اختلاف أنماط العيش، فهذا واقع لا يُنكر، بل في تسييس هذا الاختلاف وتحويله إلى جوهر أخلاقي: هنا ثقافة حياة، وهناك ثقافة موت؛ هنا انفتاح، وهناك انغلاق. هكذا ببساطة. وكأن التاريخ لم يعلّمنا أن هذه الثنائيات كانت دائمًا المدخل الأقصر إلى الاحتراب الأهلي، حتى حين تُقال بلغة ناعمة.
الأحياء لا تختار مصائرها. الناس لا تصحو صباحًا لتقرر أن تكون “ثقافة” في مواجهة “ثقافة” أخرى. ما نراه من تباينات هو انعكاس غير عادل لتوزيع السلطة والثروة والسلاح والخوف. وعندما يُختزل كل ذلك في خطاب ثقافي، يُعفى الفاعلون الحقيقيون من مسؤولياتهم، وتُلقى التهمة على المجتمع نفسه.
الأخطر أن هذا النوع من الكلام يُعيد إنتاج مناخ ما قبل الحرب، لكن بلا متاريس. فرز صامت، شك متبادل، شعور بالتفوّق هنا وبالارتياب هناك. كأننا لم ندفع بعد ثمن الأمتار التي تحوّلت سابقًا إلى خطوط تماس.
لبنان اليوم لا يحتاج إلى من يشرح اختلافاته، بل إلى من يجرؤ على مساءلة أسبابها. لا يحتاج إلى خطاب يطمئن جماعة بتخويف أخرى، بل إلى لغة تعترف بأن الجميع خاسر في هذا الانهيار، وأن الخلاص ـ إن وُجد ـ لا يكون بثقافة ضد ثقافة، بل بعدالة ضد الظلم، ودولة ضد الفوضى، وحياة مشتركة ضد الاستثمار الدائم في الخوف.
حين تتحوّل الأمتار إلى هويّات، نكون قد خسرنا المعنى، وبقي لنا الجدار… حتى لو لم يكن مرئيًا.

