لم يكن في حسبان أكثر المتشائمين الممانعين أن تفقد إيران تأثيرها الحاسم في المنطقة بهذه السرعة الدراماتيكية، وهي التي ما انفكت تعلن سيطرتها على أربع عواصم عربية، من بينها بيروت، وذلك بفعل تحولات حرب “طوفان الأقصى”، ما أتاح للولايات المتحدة وإسرائيل استهداف العمق الإيراني، بعد أن تمكنت طهران سابقاً من تجنب ذلك عبر اتباع استراتيجية نشر الأذرع في المشرق العربي، وبالقرب من حدود إسرائيل تحديداً، كدرعٍ واقٍ لها.
نظام ما بعد حرب 12 يوما
هذه المستجدات دفعت الكثير من المحللين إلى القول إن النظام الإيراني ما قبل حزيران 2025 ليس كما بعده، لا على مستوى الداخل ولا على مستوى الخارج، ولا سيما في ظل وصول ترامب إلى السلطة وخروج الحزب الديمقراطي، الذي كان أقل تشدداً حيال إيران، بدءاً من عهد باراك أوباما وصولاً إلى عهد جو بايدن.
وعليه، تُثار أسئلة كثيرة حول دور إيران المستقبلي في المنطقة، خصوصاً في ظل تغيّر موازين القوى الإقليمية وسقوط حلفائها، مثل النظام السوري السابق، وفي ظل حركات الاحتجاج الشعبي داخل إيران، إضافة إلى التهديد الأميركي بضرب مراكز حساسة في حال قامت السلطات الإيرانية بقمع المتظاهرين السلميين.
الفراغ الاقليمي
وفي حال نفذت الولايات المتحدة الأميركية تهديداتها، وسارت الأمور نحو السيناريو الأسوأ، أي الذهاب نحو خيار سقوط النظام، فهل سيترك ذلك فراغاً إقليمياً بالمعنى التقليدي، أم أنه سيعيد ترتيب النفوذ في المنطقة بطريقة أكثر استقراراً؟
برزت إيران في السنوات السابقة كقوة مزعزعة للاستقرار، كما لعبت دوراً فوضوياً بفعل قدرة أذرعها في المنطقة، ولا سيما في لبنان والعراق وسوريا واليمن. وصحيح أنها دولة إقليمية كبيرة في المنطقة، إلا أنه لا يمكن اعتبارها من ضمن الركائز الإقليمية التي تلعب دوراً محورياً في الاستقرار وانتهاج سياسات متكيفة مع السياسات الدولية في الشرق الأوسط، بل قامت بدورٍ تأثيره مزعزع، بعد أن أتاحت لها الحروب الأميركية الخاطئة في الشرق الأوسط، وتحديداً إسقاط النظام العراقي عام 2003، ملء الفراغ السياسي لصالحها عبر الهيمنة على مقدرات العراق وبسط نفوذها فيه.
عملياً، خسرت إيران كل ما بنته في المشرق العربي بفعل سقوط نظام بشار الأسد، الذي كان يشكّل الجسر الاستراتيجي الذي يربط إيران بلبنان، والذي أتاح لـ”الحزب” فرض سيطرته على القرار اللبناني. وبعد حرب الإسناد وسقوط النظام، فُقد العمق السياسي واللوجستي، ما أدى إلى تقلص النفوذ الإيراني في المنطقة، بعد احتواء أميركي لدورها وتأثيرها.
بدائل واشنطن
وتعمل واشنطن على خلق مجموعة بدائل إقليمية، للتأكيد على أن المنطقة لن تشهد فراغاً شاملاً، في ظل وجود قوى إقليمية ودولية تعمل على إعادة هيكلة التوازنات في الشرق الأوسط، بعد كل تلك التحولات الجيوسياسية.
فتركيا قوة إقليمية إسلامية فاعلة في حلف شمال الأطلسي، تمتلك قوة عسكرية وتنظيمية مؤثرة في المنطقة، وقد تعزز نفوذها بعد رحيل بشار الأسد. كذلك، نجد أن الأمن القومي العربي اكتسب مناعة وثباتاً، تعبر عنه المملكة العربية السعودية بما تملكه من إمكانات مالية واقتصادية وعسكرية ودبلوماسية، تمكّنها من المشاركة الفاعلة في إدارة الملفات السياسية الحساسة في لبنان واليمن وسوريا، من دون أن ننسى الدور المصري والقطري.
أما إسرائيل، فهي تلقى دعماً أميركياً يتيح لها القدرة على تعطيل أي مسار سلمي لا يناسب مصالحها، مع إصرارها على لعب دور فاعل في سوريا وعموم المنطقة.
وتدرك الولايات المتحدة جيداً أهمية سقوط النظام السوري السابق، إذ تستفيد من الجغرافيا السورية في إعادة ضبط التوازنات لصالح احتواء الدورين الإيراني والروسي، كما ترفض تقسيم سوريا، كي لا يعود إليها الروس والصينيون والإيرانيون من خلال تجزئة الخريطة السورية.
هل انهار المحور؟
إن سقوط إيران أو فقدان حلفائها، واغتيال القائد الفعلي لمحورها في المنطقة، السيد حسن نصرالله، لا يعني بالضرورة انهيار النظام الإقليمي، ولا إحداث فراغ قوة مركزية فاعلة، كما حدث بعد خروج مصر من الصراع العربي – الإسرائيلي عقب التوقيع على معاهدة كامب ديفيد.
وفي حال تحقق هذا السيناريو، سنكون أمام نهاية دور مزعزع للاستقرار، واستبدال نفوذ إيران بقوى ولاعبين أكثر قوة وثباتاً وتنظيماً.
وخلاصة القول، إن بسقوط النظام الإيراني لا ينهار الشرق الأوسط، بل يُعاد ترتيبه من جديد بطريقة أكثر تناسقاً مع مسار سياسة ترامب في العالم، لا في الشرق الأوسط فحسب، بل في العالم كله حتى “جزيرة غرينلاند”.

