ثمّة أثمان قد يتوجب على الشعوب أن تدفعها لكي تتخلّص من ظلم حكّامها وأنظمة حكمهم، وهذا ما يبدو أنه مصير الشعب الإيراني. ففي أواخر سبعينات القرن الماضي، وحين انتفت الحاجة إلى دور شاه إيران محمد رضا بهلوي، أثمرت ثورة الشعب الإيراني، لكن ثمارها قطفها لاحقاً الخميني، الذي أسّس نظام الملالي وولاية الفقيه.
ولم يجد الشاه المعزول، الهارب من بلاده، ملجأً يأوي إليه سوى مصر، حيث وافق الرئيس المصري آنذاك محمد أنور السادات على استقباله، بعد أن رفضت الولايات المتحدة ودول الغرب السماح له باللجوء إليها، رغم “الخدمات الجليلة” التي كان نظام الشاه يقدّمها لتلك الدول، بوصفه “شرطي الخليج” وحليف ربيبتهم إسرائيل.
الخميني بين باريس وبوابة السلطة
وإذا علمنا أن الخميني نفسه كان يقيم تحت حماية المخابرات الفرنسية في ضاحية باريس (نوفيل لو شاتو)، وفي مسكن مستأجر – أو مملوك – لوكالة المخابرات المركزية الأميركية (CIA)، بعد أن طرده صدام حسين من العراق، لأدركنا لماذا انتهى دور نظام الشاه في ذلك التوقيت تحديداً.
التاريخ يعيد نفسه: إيران اليوم
اليوم، وبعد أن ثار الشعب الإيراني في حراكه الحالي، نجد الرئيس الأميركي وقد وقف إلى جانب هذا الحراك، موجّهاً إنذاراً للسلطات الإيرانية في حال استخدام العنف ضد المتظاهرين. وهنا يبدو التاريخ وكأنه يعيد نفسه، إذ تشير المعطيات السياسية، وبعض المعلومات التي تتسرّب بين الحين والآخر، إلى أن أجل نظام الملالي الشيعة في طهران قد شارف على نهايته.
وإذا ربطنا هذه المعطيات بتصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي شجّع الشعب الإيراني الثائر على اقتحام المقار والدوائر الحكومية، ملمّحاً إلى أن “المساعدة آتية”، ومع متابعة أخبار تحرّكات القطع العسكرية الأميركية، وطلب دول الغرب من رعاياها مغادرة إيران سريعاً، يصبح من المرجّح أن نهاية نظام الملالي قد دخلت مرحلتها الأخيرة، وأن المسألة باتت مسألة وقت ليس بطويل.
حرية بلا قرار… والشعب يدفع الثمن
هنا، يتوجّب على الشعب الإيراني أن يدفع أثماناً من أجل حريته، من دون أن يكون له وحده القرار في اختيار نظام الحكم الذي يطمح إليه، بل النظام الذي سيُفرض عليه وفقاً لرؤية من يملكون القرار الفعلي.
بالتأكيد، فإن سقوط نظام الملالي، وعلى رأسه المرشد علي خامنئي وحاشيته، ستكون له انعكاسات مباشرة على شعوب المنطقة العربية، ومنها لبنان على وجه الخصوص، نتيجة وجود حزب الله، الذي يرتبط بنظام ولاية الفقيه ارتباطاً عضوياً لا سياسياً فحسب. وبذلك، قد يرتاح الشعب اللبناني نتيجة ضمور النظام الإيراني الحالي.
نظام متخلخل حتى لو تأخر سقوطه
في كل الأحوال، فإن النظام الإيراني الحالي، سواء سقط غداً أو بعد غد، فقد تخلخل ولن يعود كما كان من قبل. سيكون نظاماً ضعيفاً، محدود التأثير، فاقداً لقوته السابقة، يسعى للبقاء والحفاظ على نفسه لا أكثر.
وقد ينعم الشعب الإيراني ببعض الحرية، وكذلك بعض الشعوب العربية في العراق وسوريا واليمن ولبنان، نتيجة تراجع تأثير ذلك النظام الذي زرع ميليشيات تابعة له، أمسكت بزمام السلطة إمّا بالواقع أو بالقوة، وبالحديد والنار. ولم يخفَ على أحد تصريحات أركان النظام سابقاً عن سيطرته على أربع عواصم عربية: صنعاء، بغداد، دمشق، وبيروت.
الدين كأداة للهيمنة
بذلك، تكون خاتمة نظام الملالي حاملة لبعض الخير لشعوب المنطقة، التي قد ترتاح – ولو مؤقتاً – من أنظمة ديكتاتورية اتخذت من الدين عباءة تتلطّى بها لتنفيذ مآربها.
وهنا لا بدّ من استحضار مقولة الفيلسوف العربي ابن رشد:
«إن التجارة بالأديان هي التجارة الرابحة في المجتمعات التي ينتشر فيها الجهل… وإذا أردت أن تتحكم في جاهل، فعليك أن تغلّف كل باطل بغلاف ديني!»
وما أكثر الجهلة في مجتمعاتنا العربية في هذا العصر.

