تزداد حدّة المواجهة الإعلاميّة والسياسيّة بين واشنطن وتل أبيب من جهة، وطهران من جهة ثانية يومًا بعد يوم، وتتركّز حاليًا حول الضربة العسكريّة الأميركيّة المحتملة على إيران. ضربة يفسّرها البعض على أنّها خيار قد يعتمدها رئيس الولايات المتّحدة الأميركيّة دونالد ترمب للحدّ من قتل المتظاهرين، فيما يذهب آخرون أبعد في التحليل ليعتبروها مدخلًا مرًّا لإسقاط النظام الإيراني.
غير أنّ الأمور ليست بهذه البساطة أو السطحيّة كما تصوّرها بعض وسائل الإعلام العربيّة والغربيّة، فالولايات المتّحدة لا تتّخذ خطواتها بناءً على تمنّيات الشعوب، بل وفق مصالحها الاستراتيجيّة.
ترمب بين التأنّي والضغط الاقتصادي
على الأرجح، يبدو ترمب متأنّيًا حيال أي سلوك عسكري قد يتّخذه تجاه إيران. فإعلانه فرض ضريبة جمركيّة بنسبة 25% على كلّ دولة تتعامل تجاريًا مع طهران قد لا يكون سوى مقبّلات لما هو أسوأ اقتصاديًا. وقد يتحوّل هذا الخيار إلى طبق رئيسي تتجرّع من خلاله إيران السمّ للمرّة الثانية في تاريخها، فتُدفع إلى طاولة التفاوض.
ومع ذلك، يبقى السؤال مطروحًا حول طبيعة الضربة وكيفيّة تنفيذها: هل القرار يُتّخذ فعلًا بكبسة زر؟
قرار ترمب الفردي
يرى مصدر مقرّب من البيت الأبيض أنّ الرئيس الأميركي دونالد ترمب هو رئيس “المفاجآت”، وأنّ ما حصل مع الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو يختلف تمامًا عمّا قد يحصل في إيران. ويضيف المصدر لـ“جنوبيّة” أنّ ترمب وحده من يقرّر كيف سيتعامل مع النظام الإيراني، وهو الوحيد الذي يختار الأسلوب الأنجع، فلا البنتاغون ولا الكونغرس ولا مجلس الشيوخ قادرون على التحكّم بخياراته أو تقويض سلطته.
ويؤكّد المصدر نفسه أنّ التكهّن بما إذا كانت الضربة قائمة أو مستحيلة يندرج في خانة اللامعقول، فمن يتابع الشأن الأميركي وحركة السلطة في واشنطن يدرك أنّ لا مكان للتنبّؤ، بل إنّ الانتظار هو سيّد الموقف.
المؤشّرات العسكريّة… الغائبة حتى الآن
في ما يتعلّق بالشأن اللوجستي ولغة الأرض، يشير المصدر السياسي نفسه لـ“جنوبيّة” إلى أنّ أي ضربة أو عمل عسكري تُحضّر له واشنطن لا يُقاس فقط بارتفاع الطلب على البيتزا في محيط البنتاغون والبيت الأبيض، كما أشاعت بعض وسائل الإعلام، بل بطبيعة الانتشار العسكري الهادف إلى تأمين المصالح الأميركيّة في الشرق الأوسط.
ويؤكّد المصدر أنّه حتى اللحظة لا يوجد انتشار لسلاح الجوّ الأميركي ولا للمسيّرات أو منصّات الصواريخ أو الجنود والآليات العسكريّة، ما يعني أنّ الخيار العسكري لم يقترب بعد، خلافًا لما يُشاع إعلاميًا. كما أنّ ماهيّة الضربة المطروحة حاليًا لا تهدف إلى إسقاط نظام “الولاية” في طهران بقدر ما تبتغي ضمان الاستقرار في واشنطن نفسها.
استقرار واشنطن أولًا
بات العالم كلّه على يقين بأنّ الوضع في إيران لن يعود كما كان عليه، وأنّ الحديث عن مستقبل النظام أصبح أكثر جديّة من أي وقت مضى. غير أنّ الجزم والتكهّن بسلوك واشنطن يبقيان مستحيلين، مع العلم أنّ المصدر الأميركي عاد وأكّد أيضًا أنّ الأمر العسكري، في حال تمّ اتخاذه بضرب إيران، سيكون صادرًا عن الرئيس ترمب شخصيًا من دون الرجوع إلى الكونغرس أو وزارة الدفاع، وسوف يتحمّل مسؤوليته بناءً على ذلك.
ويضيف المصدر نفسه أنّ ملف الخيارات العسكريّة لا يزال قيد الدرس والبحث المكثّفين في مكتب ترمب داخل البيت الأبيض. فالأولويّة المطلقة هي لاستقرار الولايات المتّحدة. وإذا كانت الضربة المحتملة ستحقّق استقرارًا في واشنطن والشرق الأوسط، وتؤدّي إلى إسقاط النظام الإيراني، فسيكون ذلك مدعاة ارتياح للإدارة الأميركيّة. أمّا إذا لم تكن النتائج مضمونة، فالكفّة تميل نحو عدم تنفيذ الضربة واللجوء إلى خيارات أخرى.
وعليه، تبقى الخيارات مبهمة، فيما تُعدّ الساعات المقبلة الفيصل بين الأمس واليوم والغد، في شرق أوسط يُقال إنّه مقبل على مرحلة جديدة.

