هل نعترف بالمعارضات الشيعية..أم نُكمل بمن حضر؟

جاد الاخوي

لم يعد السؤال المطروح داخل البيئة الشيعية المعارضة سؤال تنظيم أو تنسيق، بل سؤال سياسي ووطني في آنٍ واحد. فالنقاش حول المعارضة الشيعية يتجاوز حدود الطائفة ليطال جوهر الأزمة اللبنانية: أزمة احتكار الطوائف لتمثيل أبنائها، وتحويل هذا الاحتكار إلى أداة سلطة عطّلت الدولة وأفرغت السياسة من معناها.

تعدد المعارضات… كسر للوهم لا ضعف

الواقع واضح ولا يمكن تجاهله: لا توجد معارضة شيعية واحدة، بل معارضات متعددة، أفرادًا ومجموعات وتجارب وأصواتًا مستقلة. الاعتراف بهذا التعدد ليس ضعفًا ولا علامة تفكك، بل شرط أولي للخروج من وهم الوحدة القسرية التي لم تنتج يومًا إلا مزيدًا من الانغلاق. فالوحدة الشكلية التي تُفرض بالقوة أو بالخوف لا تصنع تمثيلًا، بل تصنع صمتًا.

«نكمل بمن حضر»: من حل عملي إلى إقصاء مقنّع

لكن الخطر لا يكمن في التعدد بحد ذاته، بل في الطريقة التي يُدار بها. هنا يبرز شعار «نكمل بمن حضر» كحل عملي سريع، سرعان ما يتحول إلى سياسة إقصائية مقنّعة. فـ«من حضر» ليس بالضرورة «من يمثّل»، وليس كل من غاب متخاذلًا أو تابعًا. كثيرون غابوا لأنهم لم يجدوا مشروعًا سياسيًا جامعًا، بل أطرًا ضيقة أعادت إنتاج منطق الوصاية والاحتكار نفسه الذي تدّعي معارضته.

معارضة تدور في حلقة مغلقة

سياسة الاكتفاء بالحاضرين أنتجت معارضة محدودة، تدور في حلقة مغلقة، وتخاطب جمهورًا يعرفها أصلًا. والأسوأ أنها كرّست، من حيث لا تدري، سلوكًا يشبه سلوك السلطة التي تواجهها: احتكار القرار، ادّعاء التمثيل، وتوزيع صكوك الوطنية والسيادة. وهنا تكمن المفارقة القاتلة: كيف يمكن مواجهة احتكار الطائفة بمعارضة تحتكر المعارضة؟

البعد الوطني الغائب عن النقاش

غير أن ما يغيب عن هذا النقاش غالبًا هو البعد الوطني العميق للمعارضة الشيعية. فهذه المعارضة ليست تمرّدًا داخليًا على قيادة أو اعتراضًا على إدارة، بل محاولة لكسر نموذج سياسي خطير قام على احتكار الطائفة وربطها بخيار واحد وصوت واحد، وهذا ما قامت عليه سياسة حزب الله. هذا النموذج لم يبقَ محصورًا في البيئة الشيعية، بل تحوّل إلى مثال حاولت بعض الطوائف الأخرى أن تحذو حذوه، معتقدة أن التجربة نجحت وأن وحدة الصوت والقيادة تحمي الجماعة وتمنحها قوة تفاوضية أكبر.

احتكار التمثيل… من وهم القوة إلى واقع الانهيار

لكن التجربة، في الواقع، أثبتت عكس ذلك تمامًا. احتكار التمثيل لم يحمِ الطوائف، بل عزلها عن الدولة. لم يعزّز الاستقرار، بل راكم الأزمات. ولم يُنتج قوة وطنية، بل عمّق الانقسامات وربط القرار الداخلي بصراعات خارجية. النموذج الذي بدا «ناجحًا» في الشكل، كان في المضمون وصفة لانهيار الدولة وتفكك العقد الوطني.

فرصة المعارضة الشيعية ودورها الوطني

من هنا، فإن الانتفاض على احتكار الطوائف لتمثيل أبنائها يصبح شرطًا أساسيًا لأي مشروع إنقاذي. والمعارضة الشيعية، بما تحمله من تجربة كسر داخل الطائفة، تمتلك قدرة فريدة على المساهمة في هذا المسار الوطني، إذا أحسنت قراءة دورها ولم تحصر نفسها في زاوية دفاعية ضيقة.

مسؤولية مشتركة وفشل في الالتقاط

غير أن هذا البعد الوطني لم يُلتقط كما يجب، لا من القوى السيادية التي كثيرًا ما تعاملت مع المعارضة الشيعية كحالة رمزية أو تكميلية، ولا من بعض المعارضين أنفسهم الذين اكتفوا بخطاب احتجاجي أخلاقي، بدل تحويله إلى مشروع سياسي عابر للطوائف يواجه منطق الاحتكار في كل البيئات، لا في بيئة واحدة فقط.

المطلوب: مشروع لا إلغاء للتعدد

المشكلة، إذًا، ليست في التعدد، بل في غياب مشروع سياسي جامع يحوّل هذا التعدد إلى قوة. المطلوب ليس ذوبان المعارضات في كيان واحد، بل الاتفاق على حد أدنى وطني واضح: دولة سيدة، قرار واحد، سلاح واحد، عدالة واحدة، ومواطنة كاملة لا تُختزل بالطائفة ولا تُصادَر باسمها.

أما «الاستمرار بمن حضر»، فهو في أفضل الأحوال حل مؤقت، وفي أسوأها تكريس للفشل. قد يصلح لإطلاق موقف أو كسر صمت، لكنه لا يبني مسارًا سياسيًا طويل النفس. المعارضة التي لا تتوسع تموت، والتي لا ترى بعدها الوطني تُحاصر، والتي تخشى كسر منطق الاحتكار تعيد إنتاجه بشكل معكوس.

إن المعركة الحقيقية ليست داخل طائفة ضد طائفة، بل بين من يريد دولة لمواطنيها، ومن يريد طوائف محتكرة بلا دولة. والاعتراف بالمعارضات الشيعية، والانفتاح على بعدها الوطني، ليس خيارًا تكتيكيًا، بل خطوة أساسية على طريق استعادة السياسة من قبضة الاحتكار.

السابق
قانون الفجوة المالية في «مجلس الوزراء»: نقاش حساس ومرشّح للاستمرار
التالي
أين مصلحة الطائفة الشيعية؟