تشهد الساحة اللبنانية سباقًا ديبلوماسيًا محمومًا بين دعم عربي يتقدّمه الموقف العُماني الراسخ تجاه سيادة الدولة ومؤسّساتها، وبين ضغوط غربية متزايدة تقودها الولايات المتحدة وفرنسا لحصر السلاح بيد الشرعية وتفادي أي اندفاعة نحو مواجهة جديدة مع إسرائيل. وفيما اختتم رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون زيارته الناجحة إلى مسقط، حيث حاز دعمًا سياسيًا واضحًا وإسنادًا لمؤسسات الدولة والإصلاحات، كانت بيروت تتحوّل بالتزامن إلى محور حركة أميركية – فرنسية نشطة تستطلع درجة الالتزام اللبناني بالمسار الحكومي الهادف إلى ضبط السلاح غير الشرعي.
عُمان: دعم ثابت للدولة اللبنانية
البيان المشترك الذي صدر عن زيارة الرئيس عون للسلطنة مثّل رسالة عربية واضحة المعالم. فقد شدّد الجانبان على رفض الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة على لبنان وضرورة وقفها فورًا، مع تأكيد دعم مسار الاستقرار وعودة النازحين وإعادة الإعمار. الأهم كان الموقف العُماني الداعم بلا تحفّظ لسيادة لبنان ووحدة أراضيه، ولتعزيز مؤسسات الدولة وفي مقدّمها الجيش اللبناني وقوى الأمن الشرعية. هذا الدعم السياسي حمل أيضًا نفَسًا إصلاحيًا، عبر مباركة الإصلاحات الاقتصادية والإدارية التي تقودها القيادة اللبنانية بهدف وقف الانهيار وتثبيت توازن الدولة في لحظة شديدة الحساسية.
الحركة الأميركية: رسائل مزدوجة للتهدئة والحسم
في بيروت، برزت زيارة السفير الأميركي ميشال عيسى إلى عين التينة برفقة رئيس “أميركان تاسك فورس فور ليبانون” إدوارد غابريال وأعضاء من الكونغرس. الزيارة هدفت إلى “الاستماع” لرئيس مجلس النواب نبيه برّي، بحسب عيسى، في محاولة لفهم مواقف الداخل بعيدًا من “المعلومات المغلوطة”. الولايات المتحدة شددت على استمرار دعم الجيش، وعلى أهمية التعاون المباشر مع واشنطن، في وقت لفت فيه السفير إلى أن إسرائيل تفصل بين المفاوضات مع الحكومة اللبنانية وبين المواجهة مع حزب الله، في إشارة واضحة إلى ضرورة الفصل بين المسارين وعدم ربط التهدئة بملفات عسكرية وسياسية معقّدة.
وفي معراب، حمل وفد ATFL إلى رئيس حزب “القوات اللبنانية” سمير جعجع قراءة أميركية متشعّبة للأزمة اللبنانية، مع التشديد على ضرورة اتخاذ لبنان خطوات حاسمة في الأشهر المقبلة لتمتين علاقته مع واشنطن والدول الخليجية على حدّ سواء.
فرنسا: نحو لحظة حاسمة في ملف السلاح
التحرّك الفرنسي الذي يقوده جان إيف لودريان اتخذ منحى أكثر صراحة، إذ أبلغ القيادات اللبنانية أن مجرد تعيين سيمون كرم في آلية “الميكانيزم” لا يكفي لإبعاد شبح التصعيد، وأن المطلوب هو خطوات عملية في ملف حصر السلاح بيد الدولة. هذا الموقف تلاقى مع مواقف معراب والصيفي، حيث شدّد رئيس الكتائب سامي الجميّل على أن استمرار السلاح غير الشرعي بات الخطر الأكبر على لبنان، معتبرًا أن حزب الله فقد القدرة على مواجهة إسرائيل وأن سلاحه اليوم موجّه إلى الداخل لترهيب اللبنانيين. الجميّل دعا إلى “قبضة حديد” للدولة وإلى قرارٍ واضح بنزع السلاح خارج الشرعية.
تصدّعات إيرانية – لبنانية
في موازاة ذلك، برز موقف وزير الخارجية يوسف رجي الذي اعتذر عن زيارة طهران في الوقت الحالي، داعيًا إلى لقاء في دولة محايدة. وأكد أن أي علاقة بنّاءة مع إيران يجب أن تُبنى على قاعدة احترام السيادة اللبنانية، مشددًا على أن احتكار الدولة للسلاح شرطٌ تأسيسي لبناء دولة قوية.
أمنياً: إنجاز نوعي في شاتيلا
في الجانب الأمني، سجّل الجيش إنجازًا مهمًا بتوقيف أحد أخطر المطلوبين في مخيم شاتيلا والمدعو “حسن جرافة”، المتهم بإدارة أخطر بؤر السلاح والمخدرات، بعد عملية رصد دقيقة انتهت بضبط أسلحة ومخدرات ومسروقات. خطوة تكرّس الدور الأمني للجيش في لحظة سياسية يرتفع فيها سقف النقاش حول سلطته وقدرته على الإمساك بالأرض.

