يجد لبنان نفسه اليوم في قلب حركة ديبلوماسية كثيفة، تشبه سباقًا مع الوقت بين احتمالات التهدئة ومخاطر الانفجار. الرسائل الدولية التي حملها الموفدون إلى بيروت لم تُخفِ هذه الحقيقة، بل أكّدت أنّ الاستقرار بات الشرط الوحيد الذي يسمح بتمرير المرحلة المقبلة بأقلّ الأثمان. فالمجتمع الدولي، كما تقول مصادر ديبلوماسية غربية، لا يزال متمسّكًا بدعم لبنان، لكنه يطالب في المقابل بخطوات «واضحة» تعيد تثبيت قواعد اللعبة جنوبًا وتمنع انزلاق الحدود إلى اشتباك واسع.
رسائل الخط الأزرق: لا ترف للخطأ
تكشف جولات الوفود الدولية على الخط الأزرق ومراكز اليونيفيل أنّ المرحلة شديدة الحساسية. أي خرق، مهما بدا محدودًا، يمكن أن يتحوّل شرارة لا يمكن السيطرة عليها، في ظلّ تصاعد التوتر الإقليمي بين واشنطن وطهران وحلفائهما. وتؤكّد المعطيات أنّ الدول المعنية أصبحت أكثر إصرارًا على تثبيت «حصرية السلاح بيد الدولة»، ليس كإطار نظري بل كشرط مسبق لأي بحث في مستقبل القرار 1701، وخصوصًا في ظلّ سيناريوهات ما بعد انسحاب اليونيفيل المتوقع بدءًا من أواخر 2026.
زيارة عون إلى عُمان: منصة تفاوض لا ورقة مقايضة
وسط هذا المشهد، يبرز البعد الإقليمي بوضوح في زيارة الرئيس جوزاف عون إلى سلطنة عُمان. فالمحطة العمانية تتجاوز البعد البروتوكولي؛ إنها مفصل في مسار مفاوضات معقّدة تُصاغ بين الرياض وطهران وواشنطن حول ثلاثة ملفات: التخصيب النووي، الصواريخ الباليستية، ودعم الفصائل التابعة لإيران في لبنان والعراق واليمن.
وتشير مصادر عربية مطلعة إلى قبول إيراني، بضغط سعودي، بمناقشة خطوات نوعية؛ من بينها تسليم السلاح المتوسط والثقيل لحزب الله إلى الجيش اللبناني، ونقل الصواريخ الدقيقة من لبنان إلى العراق. غير أنّ العقدة الكبرى تبقى في الجهة التي ستدير هذه الصواريخ داخل العراق، بين الجيش العراقي و«الحشد الشعبي»، وهو ملف تعارض فيه واشنطن منح أي صلاحية عسكرية للحشد.
أما في الملف النووي، فالمواجهة لا تزال مفتوحة: واشنطن تريد التخصيب خارج إيران، وطهران تطالب بأن يتم على أراضيها تحت إشراف دولي. وعليه، يتجه الرئيس عون إلى مسقط حاملًا رسالة حاسمة: لبنان يرفض أن يتحوّل إلى ورقة تفاوض في “بازار النووي”.
الدور الأوروبي: بين دعم الأمن وتخفيف العبء عن الجيش
في موازاة الحركة الأميركية-العربية، يبحث الاتحاد الأوروبي في آليات جديدة لتعزيز دور قوى الأمن الداخلي، بما يسمح للجيش بالتركّز على مهامه الدفاعية ومهمة نزع سلاح حزب الله في جنوب الليطاني. وثيقة أوروبية داخلية كشفت عن مسار بدأ يُطبخ بهدوء: تدريب، تجهيز، ودعم مؤسسي، من دون أن يشكّل بديلًا لليونيفيل، لكنه يواكب انسحابها التدريجي.
محاور تحرُّك لودريان
الزيارة الجديدة للموفد الرئاسي الفرنسي جان إيف لودريان تأتي ضمن مقاربة فرنسية هادئة، لمنع مخاطر الانفجار. باريس تراهن على قوتها الناعمة، وتقرأ بإيجابية تعيين السفير سيمون كرم رئيسًا للوفد اللبناني في «الميكانيزم»، معتبرة أنه خطوة في اتجاه تكريس سيادة الدولة جنوبًا.
- فرنسا تتحرك على ثلاثة محاور:
- رعاية مؤتمر دولي لدعم الجيش
- دفع لبنان إلى إصلاحات اقتصادية والتعاون مع صندوق النقد
- عرض المساعدة في ترسيم الحدود مع سوريا بناءً على أرشيف الخرائط الفرنسية
لبنان داخل التوازنات لا خارجها
يتعامل العالم مع لبنان باعتباره ساحة توازنات دقيقة، لا يُسمح بانهيارها ولا يُسمح بإعادة تشكيلها من دون تفاوض إقليمي شامل. وفي لحظة تتشابك فيها خطوط النار والديبلوماسية، يبدو أنّ بيروت أمام فرصة للحفاظ على الاستقرار، شرط أن تلتقط الرسائل الدولية والعربية، وأن تبادر هي أيضًا إلى اتخاذ خطوات تثبت أنها شريك في منع الانزلاق نحو حرب لا يريدها أحد… لكنها تبقى ممكنة في أي لحظة.

