ربما يمكن القول إن مرور القرار الأميركي في مجلس الأمن من دون فيتوات من قبل الصين أو روسيا، كما حصل في قرارات سابقة تتعلق بملفات سوريا ولبنان وغيرها في الشرق الأوسط، يدل على أن موسكو وبكين لا تريدان إغضاب الرئيس دونالد ترامب في إدارته لمشكلة الشرق الأوسط. وهذا يشير إلى أن المسألة لا تقتصر على القوى الإقليمية أو المحلية، فالجميع الآن يتجنب إغضاب الرئيس ترامب أو الاشتباك مع إدارته أو التصارع مع رؤيته للحل في المنطقة، التي تحظى برعايته.
رحبت السلطة الوطنية الفلسطينية بهذا القرار كونه فاتحة لوقف حرب الإبادة في غزة، وإعادة إدخال المواد الغذائية والأدوية إلى القطاع، وإعادة نبض الحياة إلى الغزاويين، وكذلك محاولة ضبط الانفلات الإسرائيلي من الجيش أو المستوطنين ووقف عمليات الضم والتهويد الجارية.
تدويل المسألة الفلسطينية مسعى فلسطيني وعربي قديم، كانت إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية دائمًا ترفضانه، وكان هذا أحد أسباب فشل المفاوضات السابقة. أما اليوم، مع صدور القرار، فهناك عودة لتدويل المسألة الفلسطينية ككل، وليس مسألة قطاع غزة فقط
وانطلاقًا من التأكيد على الأهداف المذكورة أعلاه، يكون الترحيب الفلسطيني في محله. فالترحيب يربط بين ما يجري في هذه المرحلة الانتقالية في غزة ومسار حل الدولتين، بالإضافة إلى مسار مشاركة الشرعية الفلسطينية في كل كبيرة وصغيرة تُرتب في القطاع منذ اللحظة الأولى، سواء على المستوى السياسي أو الأمني أو الدبلوماسي. هذا الأمر بات معروفًا، ويسبب تباعدًا وإشكالًا وصراعًا حادًا بين سياسات الإدارة الأمريكية في الملف الفلسطيني وسياسات حكومة إسرائيل برئاسة نتنياهو.
رفض الدولة الفلسطينية: ارتدادات إقليمية تمسّ مصر والأردن!
عطفًا على ما تقدّم، يمكن تفسير موقف نتنياهو وحكومته، التي أعلن كلّ رموزها وصرّحوا بأنهم سيسقطون خيار الدولة الفلسطينية غرب نهر الأردن، على حدّ تعبير نتنياهو. هذا الأمر، وفق تقدير مدير مركز تطوير الدراسات الباحث الفلسطيني هشام دبسي، “لا يصطدم فقط مع القانون الدولي وحقوق الشعب الفلسطيني، ومع سلب الحقّ الفلسطيني في تقرير مصيره على أراضي عام 1967، وإنّما يتعارض أيضًا مع الاتفاقات المصرية-الإسرائيلية والأردنية-الإسرائيلية”.
إقرأ أيضا: واشنطن تراقب.. ارتياح أميركي لزيارة عون والجيش إلى الجنوب وتباين داخل الإدارة الأميركية حول «هيكل» والجيش
ويشير دبسي إلى نقطة لافتة مفادها أن اتفاق كامب ديفيد المصري يعتبر أنّ حدود قطاع غزة مع مصر هي حدود فلسطينية-مصرية لا علاقة لإسرائيل بها، وهذا جزء من الاتفاق. كما يعتبر أنّ حدود الضفة الغربية من الناحية الشرقية مع المملكة الأردنية الهاشمية تُعدّ حدودًا فلسطينية-أردنية. ويتابع دبسي تصريحه بالقول: “عندما يرفع نتنياهو شعار رفض إقامة دولة فلسطينية، فإنّه يخلق أيضًا إشكاليتين إضافيتين مع الأردن ومصر، في حدود تمسّ الاتفاقات المبرمة: اتفاق وادي عربة مع الأردن، واتفاق كامب ديفيد مع مصر”.
لا يمكن تفسير التعارض بين نتنياهو وترامب على أنّه “مسألة شخصية” بقدر ما هو انعكاس لإعادة بناء السياسة الأمريكية الخاصة بالشرق الأوسط، ضمن استراتيجية إقليمية ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالاستراتيجية الدولية العليا للمصالح الأمريكية
وبهذا المعنى يشير دبسي إلى أهمية هذه الجزئية، لأنّه يُبنى عليها الموقفُ الثلاثي: السلطة الفلسطينية، والقيادة المصرية، والقيادة الأردنية. وهذه الجزئية، برأيه، تمسّ الأمن القومي الأردني والمصري، كما تمسّ حقّ تقرير المصير الفلسطيني. وبذلك يتشكّل تشابكٌ مصلحيٌّ قويّ بين فلسطين ومصر والأردن، ليس من باب التضامن العربي أو من باب مركزية القضية الفلسطينية، بل من باب مصالح الأمن القومي لكلّ من هذه الدول والشعوب في فلسطين ومصر والأردن. وهذا ما يجعل الموقف الثلاثي موقفًا صلبًا، وهو الموقف الذي يُبنى عليه في إطار مبادرة السلام العربية، وفي إطار المحور العربي الذي تقوده السعودية، والذي تبلور ليصبح اليوم محورًا عربيًا-إسلاميًا-دوليًا بعد انضمام فرنسا وبريطانيا إليه، ودائمًا بحسب دبسي.
قراءة في التعارض المصلحي بين ترامب ونتنياهو
لا يمكن تفسير التعارض بين نتنياهو وترامب على أنّه “مسألة شخصية” بقدر ما هو انعكاس لإعادة بناء السياسة الأمريكية الخاصة بالشرق الأوسط، ضمن استراتيجية إقليمية ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالاستراتيجية الدولية العليا للمصالح الأمريكية. وردًا على سؤالي حول التعارض بين السياسة الأمريكية والسياسة الإسرائيلية، أجاب دبسي بالقول: “يعتقد البعض أنّ ترامب في ولايته الثانية هو نفسه في ولايته الأولى، بينما يكمن الفارق الرئيسي بين الولايتين في أنّ ترامب خلال ولايته الأولى كان يظنّ أنّه الرجل الأقوى في العالم، وأنّ المؤسسة الأمريكية يجب أن تنصاع لقراراته، فاصطدم في أكثر من ملف مع الدولة العميقة في الولايات المتحدة. أمّا في ولايته الثانية، فنجد أنّه دخل مسبقًا في استراتيجية توافقية وتصالحية تقوم على تفهّم دور الدولة العميقة في صناعة السياسات الداخلية والخارجية”.
وعلى الرغم من التغيرات التي شهدتها الولايات المتحدة، لا يبدو أنّ نمط الصراع الذي ميّز ولاية ترامب الأولى موجود اليوم، وهو ما انعكس على ثبات فريقه في البيت الأبيض، بخلاف ما حصل في الولاية السابقة. ويشير الباحث الفلسطيني هشام دبسي إلى أنّ “ترامب اليوم، وعلى الرغم من دوره الفردي ورؤيته الخاصة، لا يخرج عن الخطوط الرئيسية التي ترسمها المصلحة الأمريكية، المنبثقة من المؤسسة العميقة بكل أبعادها في الولايات المتحدة”، مؤكّدًا أهمية فهم هذا التحول لتفسير ديناميكيات السياسة الأمريكية الحالية.
ويتضح ذلك بجلاء في التباين بين المصلحة الإسرائيلية والمصلحة الأمريكية. فحسب الباحث هشام دبسي، “المصلحة المباشرة لإسرائيل، كما يعبّر عنها نتنياهو، تقوم على قاعدة النصر المطلق، وتهجير الفلسطينيين، ومنع قيام دولة فلسطينية، وسحق كل من يتحدّث في هذا الاتجاه”، بينما تتسم المصلحة الأمريكية بالشمولية على المستويين الدولي والإقليمي، إضافة إلى المستويين الفلسطيني والإسرائيلي. ويؤكد دبسي أنّ “التباين هنا مصلحي واضح المعالم”.
ويضيف دبسي أن “الإسرائيلي يغرد بمفرده في أقصى التطرف، بينما يرى الأمريكي مصالحه بشمولية أوسع بكثير في الشرق الأوسط”. ويشير إلى أنّ الولايات المتحدة تلاحظ التبدلات العميقة على المسرح الدولي، حتى من قبل الدول التي كانت معارضة لخيار الدولة الفلسطينية، مثل بريطانيا وأستراليا وكندا وغيرها.
تدويل المسألة الفلسطينية!
تدويل المسألة الفلسطينية مسعى فلسطيني وعربي قديم، كانت إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية دائمًا ترفضانه، وكان هذا أحد أسباب فشل المفاوضات السابقة. أما اليوم، مع صدور القرار، فهناك عودة لتدويل المسألة الفلسطينية ككل، وليس مسألة قطاع غزة فقط. وهذا أكثر ما حرصت عليه إسرائيل في السابق، إذ لم تكن تريد أي مرجعيات دولية أو عربية أن تساهم في الحل، وحرصت على الاستفراد بالفلسطينيين كما فعلت في الفترات السابقة، حين عملت على شقّ الحالة الفلسطينية وإضعافها من الداخل، عبر تقوية حركة حماس وإضعاف السلطة الوطنية الفلسطينية.
تزايد تأثير المحور العربي الرسمي!
تظهر المؤشرات بوضوح تقدم المحور الرسمي العربي في قدرته على التأثير المباشر في السياسة الأمريكية، مع حضور دائم وفعّال، ومنع أي اختراق تحاول إسرائيل فرضه على الحالة العربية. التزامن بين صدور القرار عن مجلس الأمن وزيارة الأمير السعودي محمد بن سلمان، الذي جاء مع وفد يضم ألف شخصية واستثمارات تريليونية، يعكس أن الصراع اليوم بات يُدار على قاعدة التأثير الإقليمي العربي على المسرح الدولي.
إقرأ أيضا: معلومات خاصة لـ«جنوبية»: صواريخ خارقة للتحصينات تهزّ مواقع «الحزب» وتثير الرعب في شمسطار.. وهذا ما حصل؟
في هذا الصدد، يشير دبسي إلى أنّ “خطة ترامب، التي أصبحت خطة دولية ولها غطاء قانوني، مرنة بما فيه الكفاية لتسير في الاتجاه الذي نرغب به أو في الاتجاه الذي يرغب به خصومنا وأعداؤنا”. ويضيف أن هذه الخطة مبنية على توازن مصالح عربي-أمريكي بالدرجة الأولى، وعلى توازن مصالح في المحور العربي-الإسلامي بالدرجة الثانية، كما دخل عليها الاتحاد الأوروبي من بوابة فرنسا وبريطانيا وأستراليا وكندا، ما يعكس طبيعة ديناميكيتها وتعقيداتها.
الإسرائيلي يغرد بمفرده في أقصى التطرف، بينما يرى الأمريكي مصالحه بشمولية أوسع بكثير في الشرق الأوسط”
ويخلص إلى أنّه “يجب على الفلسطينيين التركيز على حشد كل قوة إضافية من أجل تصويب مسارات خطة ترامب، بما يجعلها مرتبطة بنتائج مؤتمر الأمم المتحدة وإعلان نيويورك، الذي ينص في جوهره على خريطة الطريق لتطبيق حق تقرير المصير وإقامة دولة فلسطينية”.
ويختم دبسي بالقول أنّ الوقت حساس للغاية في هذه المرحلة الانتقالية، لأنها بحسب تعبيره: “كلما امتدّت من دون حلول كان تأثيرها سلبيًا. وكلما استطعنا، عبر الشرعية الفلسطينية والشرعية العربية، تقليل مدتها، كلما تمكّنا من الاقتراب من الهدف المنشود، وهو إنهاء الاحتلال الإسرائيلي في الضفة الغربية وقطاع غزة”.

