رسائل سياسية وأمنية بارزة حملتها أمس كلمة رئيس الجمهورية العماد جوزاف عن في الذكرى 82 للاستقلال، وجاءت كلمة رئيس الجمهورية على قدر عال من الأهمية في المرحلة الحساسة التي يمر بها لبنان، وفي وقت مواز لكلمة الرئيس عون أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب موقفا لافتا تضمن دعوته للرئيس اللبناني لزيارة البيت الأبيض وقال ردا على سؤال: “سأدعو الرئيس جوزاف عون إلى زيارة البيت الأبيض”. وفي حديث آخر قال ترامب لقناة “فوكس نيوز”: “لقد أزلنا غيمة سوداء كبيرة عن الشرق الأوسط بتقليص حجم إيران، و(حزب الله) في لبنان ليس في وضع جيد.”
هذه التصريحات، التي جاءت في توقيت حساس سياسيًا وأمنيًا، اعتُبرت بمثابة إشارة دعم واضحة من واشنطن إلى الدولة اللبنانية ومؤسستها العسكرية، في مقابل تضييق الخناق على نفوذ “حزب الله”.
في الداخل، اختار رئيس الجمهورية جوزاف عون أن يطلّ في أول خطاب له منذ توليه المنصب، من قلب الجنوب — من قيادة قطاع جنوب الليطاني في ثكنة بنوا بركات في صور — ليبعث برسالة استقلال مختلفة النبرة والمضمون، قائلاً: “نقف هنا على أرض الجنوب لنقول لمن يرفض الاعتراف بما حصل إن الزمن تغيّر، وإن لبنان تعب من اللادولة، وكفر اللبنانيون بمشاريع الدويلات.”
بهذه العبارات، وضع الرئيس عون خطابه في سياق سياسي مباشر يربط بين الاستقلال الحقيقي وبسط سلطة الدولة على كامل أراضيها، معلنًا مبادرة من خمسة بنود تمحورت حول استعداد الجيش اللبناني لتسلّم النقاط الحدودية المحتلة جنوباً، والانخراط في مسار تفاوضي دولي يرسي وقفًا نهائيًا للاعتداءات الإسرائيلية، بالتوازي مع آلية دولية لدعم الجيش وإعادة إعمار ما خلّفته الحرب.
إقرأ أيضا: تحديات الاستقلال: إستعادة الدولة اللبنانية من الدويلة وإعادة بنائها
في مشهد تتقاطع فيه الرسائل الأميركية والدعوات اللبنانية لتكريس السيادة، بدت ذكرى الاستقلال هذا العام مختلفة — أكثر صراحة، وأكثر توتراً — إذ تفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التوازنات بين واشنطن وبيروت، وبين الدولة اللبنانية وخصومها في الداخل والخارج.
ونقلت صحيفة “نداء الوطن” عن مصادر في واشنطن أنّ الإدارة الأميركية تتابع باهتمام التطورات الأخيرة في لبنان، خصوصًا بعد زيارة رئيس الجمهورية ميشال عون برفقة قائد الجيش إلى الجنوب، والتي اعتبرتها الأوساط الأميركية مؤشراً إيجابياً على رغبة الدولة اللبنانية في بسط سلطتها على كامل الأراضي اللبنانية، وخصوصاً في المنطقة الجنوبية الحساسة.
وفي هذا السياق، أشارت المعلومات إلى أن واشنطن قرأت في الزيارة “رسالة سيادية” من عون والجيش تؤكد أن الدولة لا تزال تمسك بمفاصل القرار الأمني، وأن المؤسسة العسكرية تبقى العمود الفقري للاستقرار الوطني.
لكن خلف الأجواء الإيجابية، لا تزال قضية اللقاءات التي أُلغيت في واشنطن مع قائد الجيش “هيكل” تشكل مصدر توتر دبلوماسي محدود بين الجانبين، رغم الإشارات المتزايدة إلى وجود اتصالات جارية لترطيب الأجواء.
انقسام داخل الإدارة الأميركية
تكشف المعلومات عن وجود تباين في المواقف داخل الإدارة الأميركية حيال التعاطي مع “هيكل” والمؤسسة العسكرية.
فـالفريق الأول، الذي يقوده السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام، يتبنى موقفاً متشدداً يدعو إلى ممارسة ضغط أكبر على قائد الجيش، معتبراً أنّ عون هو المقصود فعلياً من إلغاء المواعيد، بسبب بطء أدائه وعدم مبادرته في ملفات يعتبرها الأميركيون حساسة، وعلى رأسها سلاح “حزب الله”.
أما الفريق الثاني، الذي يتزعمه قائد القيادة الوسطى الأميركية (CENTCOM) الأدميرال براد كوبر، فيرفض نهج التصعيد، ويشدد على أهمية استمرار التعاون مع الجيش اللبناني بوصفه المؤسسة الوحيدة القادرة على حفظ الاستقرار. ويوصي هذا الفريق بعدم “كسر الجرة” مع الجيش، مع الحفاظ على قنوات التواصل والتنسيق العسكري القائمة.
ورغم اختلاف وجهات النظر بين الفريقين، إلا أن كليهما غير راضٍ عن اللغة المستخدمة في بيانات قائد الجيش، وخصوصاً في ما يتعلق بتكرار عبارات مثل “العدو الإسرائيلي”، التي تُعد مثار تحفظ لدى الدوائر الأميركية، لما تحمله من دلالات سياسية.
رسائل تطمين من قيادة الجيش
وفي ظل هذا المناخ، لفتت مصادر واشنطن إلى أن قائد الجيش حاول في “أمر اليوم” الأخير توجيه رسالة تطمينية إلى الأميركيين، حين تحدث بوضوح عن استمرار تنفيذ خطة الجيش المتعلقة بضبط السلاح وسحب الأسلحة غير الشرعية، في إشارة ضمنية إلى الالتزام بالمسار المطلوب دولياً. وقد فُهم من كلامه أنه يسعى لإعادة بناء الثقة تمهيداً لإعادة ترتيب زيارته إلى واشنطن في مرحلة لاحقة.
وبالسياق نقلت صحيفة “اللواء” عن مصادر قريبة من بعبدا، أن اللقاء الذي جمع رئيس الجمهورية بالسفير الاميركي الجديد كان جيداً وودياً ولم يتخالله أي مواقف متشنجة، بحيث أظهر عيسى تقديره واحترامه لعون والجيش اللبناني وقيادته.
إقرأ أيضا: الصحف الإيرانية: قرارات الوكالة الذرية تشعل التوتر والحكومة تواجه عجزًا اقتصاديًا كبيرًا
وأكد عيسى أنه سيكون هناك زيارة لقائد الجيش لاميركا، وأنه كممثل لبلاده يستطيع التأكيد على استمرار دعمها للجيش ووقوفها الى جانب السلطة اللبنانية في لبنان.
وحسب مصادر أخرى قالت صحيفة “اللواء” أن هناك زيارة قريبة لهيكل لواشنطن.
قراءة سياسية لبنانية
وفي بيروت، رأت أوساط سياسية بارزة أن ما يجري بين واشنطن وبيروت لا يمكن فصله عن التحولات في الموقف الأميركي تجاه الدولة اللبنانية وسلاح حزب الله. وأشارت إلى ثلاث ملاحظات أساسية:
- تراجع الدولة في ملف السلاح يقابله اندفاع في مكافحة المخدرات والتهريب، حيث تُظهر الأجهزة الرسمية نشاطاً واضحاً في ضرب شبكات الكبتاغون والمخدرات، في وقت تتجنب فيه مواجهة ملف سلاح الحزب بشكل مباشر.
- التحركات الأخيرة للدولة تكشف عن انهيار في جزء من منظومة “حزب الله”، حيث تساءلت الأوساط عن الأسباب التي سمحت بتوقيف شخصيات كانت بمنأى عن المساءلة سابقاً، مثل نوح زعيتر، وعن إقفال 30 مصنع كبتاغون خلال شهر واحد، معتبرة أن هذه التطورات مرتبطة بتراجع نفوذ الحزب على بعض المفاصل.
- واشنطن أوصلت رسالتها بوضوح عبر “الواقعة البروتوكولية” مع هيكل، مفادها أن مرحلة الغموض انتهت، وأن العلاقات المستقبلية ستبنى على الأفعال لا الأقوال. وقد فهم الرئيسان عون وسلام هذا الموقف جيداً، ما انعكس في مواقفهما الأخيرة التي أظهرت لهجة أكثر تشدداً حيال السلاح غير الشرعي.
وبين التباينات الأميركية الداخلية والتبدلات اللبنانية الميدانية، يبدو أن واشنطن تضع العلاقة مع لبنان تحت اختبار جديد، عنوانه الرئيسي: مدى قدرة الدولة اللبنانية على إثبات سيادتها الفعلية في ظل النفوذ الإيراني وسلاح حزب الله.

