التحالف الجديد بين واشنطن ودمشق: بعلبك-الهرمل على خط الزلازل الإقليمي

ديما صلح

تشهد منطقة الشرق الأوسط واحدة من أكثر لحظاتها حساسية منذ سنوات طويلة، بعد الزيارة المفصلية التي قام بها الرئيس السوري أحمد الشرع إلى البيت الأبيض، والتي أعادت دمشق إلى المشهد الدولي بعد أكثر من عقد من العزلة.

لم تكن الزيارة مجرد حدث دبلوماسي عابر، بل محطة كاشفة لتحولات كبرى في ميزان القوى، ولولادة تحالف صامت يعيد رسم خرائط النفوذ بين واشنطن وأنقرة وتل أبيب ودمشق، واضعًا لبنان، وبالتحديد بعلبك-الهرمل، في قلب العاصفة المقبلة.

سوريا الجديدة بعد سقوط النظام القديم

منذ سقوط نظام بشار الأسد في أواخر عام ٢٠٢٤، دخلت سوريا مرحلة جديدة قوامها الواقعية السياسية والانفتاح الحذر على العالم.

الرئيس أحمد الشرع، الآتي من خلفية دبلوماسية صارمة، أدرك أن الخروج من عزلتين داخلية وخارجية لا يتحقق إلا عبر مقاربة توازن بين الضرورات الأمنية والمصالح الدولية، لذلك حمل إلى واشنطن مشروعًا يقوم على تحويل سوريا من عبء إقليمي إلى شريك في مكافحة الإرهاب، مستفيدًا من الإرهاق الأميركي والتركي في الصراعات الممتدة.

فكانت زيارته إلى البيت الأبيض نقطة تحول غير مسبوقة، أول رئيس سوري يُستقبل في البيت الأبيض منذ عقود، ومؤشرًا إلى بداية مرحلة مختلفة في علاقة دمشق بالعالم.

البيان الذي أعقب الزيارة تحدث عن انضمام سوريا رسميًا إلى التحالف الدولي ضد تنظيم داعش، لكنه حمل ما هو أبعد من ذلك.

فالتفاهم الأميركي السوري الجديد لم يكن أمنيًا بحتًا، بل اتفاقًا سياسيًا ضمنيًا يعيد تموضع سوريا في معادلة النفوذ الإقليمي، ويمنح واشنطن بوابة لتطويق التمدد الإيراني دون خوض مواجهة مباشرة مع طهران.

في خلفية هذا التفاهم، تلوح ملامح تنسيق هادئ مع تركيا وإسرائيل لضبط الحدود، وتحجيم نشاط المجموعات الموالية لإيران في الجولان والعمق السوري.

بعلبك-الهرمل في قلب التحولات

غير أن انعكاسات هذا التحالف الجديد لم تتوقف عند حدود سوريا، بل امتدت إلى لبنان الذي وجد نفسه فجأة على تماس مباشر مع الخريطة الجديدة.

فمحافظة بعلبك-الهرمل، التي تشكل الامتداد الطبيعي للحدود السورية ومركز الثقل العسكري والاجتماعي لحزب الله، تحولت إلى نقطة توتر محورية.

ومع تزايد الحديث عن ترتيبات أمنية مشتركة لمحاربة الإرهاب في المناطق الحدودية، بدأ القلق يتسرب إلى الأوساط اللبنانية من احتمال أن تتوسع صلاحيات دمشق لتشمل إشرافًا ميدانيًا غير معلن على بعض المناطق، تحت غطاء التنسيق الدولي.

هذا السيناريو، وإن بدا مستبعدًا رسميًا من حيث الشكل، إلا أنه واقعي في الجوهر ضمن منطق إعادة توزيع الأدوار.

فواشنطن، التي تسعى إلى الحد من نفوذ حزب الله، قد تجد في التفاهم مع دمشق وسيلة عملية لإضعافه عبر تغيير المعادلات على الأرض دون الدخول في مواجهة مباشرة.

في المقابل، ترى القيادة السورية في هذا الدور فرصة لإعادة تثبيت حضورها الإقليمي واستعادة عمقها التاريخي في المشرق، مستفيدة من فراغ الدولة اللبنانية وانقسامها السياسي.

حزب الله بين التهديد والتكيّف

بالنسبة لحزب الله، فإن أي تقاطع أميركي سوري يُنظر إليه كتهديد مزدوج: أميركا كخصم سياسي وإقليمي، ودمشق كجار خطِر بعدما ذاق الويلات من الحزب ونظام بشار على مدى أربعة عشر عامًا.

من هنا، يُتوقع أن يسعى الحزب إلى تحصين مواقعه في البقاع الشمالي، وإعادة تنظيم خطوط دفاعه السياسية والشعبية في وجه أي محاولة لتقليص نفوذه.

في المقابل، تجد القوى اللبنانية المناهضة له نفسها في موقع ملتبس، فهي ترحب بأي توازن يقلل من سطوة الحزب، لكنها تخشى أن يكون الثمن مساسًا بسيادة الدولة أو إدخال لبنان في تسويات لا يملك زمامها.

بين السيادة اللبنانية وإعادة رسم النفوذ

في جوهر المسألة، لا تكمن الخطورة في احتمال ضمّ بعلبك-الهرمل، بل في التغير الهادئ في مفهوم السيادة اللبنانية نفسه.

فعندما تتحول الحدود إلى مناطق نفوذ وظيفية، وتصبح مكافحة الإرهاب مبررًا لإعادة توزيع السيطرة، يتراجع القرار الوطني إلى المرتبة الثانية أمام منطق المصالح الإقليمية والدولية.

وهذا تحديدًا ما يجعل بعلبك-الهرمل اليوم رمزًا لأزمة الدولة اللبنانية، بين ضعفها الداخلي وتكاثر القوى التي تتحدث باسم أمنها.

ومع ذلك، لا تخلو الصورة من فرصٍ إيجابية إذا أُديرت بحكمة، فالتفاهم الأميركي السوري قد يشكل، في أحد وجوهه، فرصة لإعادة الاستقرار إلى المنطقة الحدودية ولإدخال لبنان في منظومة تعاون دولية لمكافحة الإرهاب، شرط أن يتم ذلك بشفافية وبمشاركة الدولة اللبنانية الكاملة.

على الدولة اللبنانية أن تستعيد حضورها عبر خطة شاملة لتعزيز الأمن والتنمية في البقاع، تُعيد الثقة بالمؤسسات وتمنع ملء الفراغ من أي جهة خارجية.

أما دمشق، فعليها أن تثبت أن عودتها إلى المسرح الدولي لا تمر عبر تكرار أنماط الوصاية القديمة، بل عبر علاقات جوار متوازنة قائمة على الاحترام والسيادة المتبادلة.

إن زيارة أحمد الشرع لواشنطن لم تكن فصلًا بروتوكوليًا عابرًا في العلاقات السورية الأميركية، بل كانت بداية تحوّل جيوسياسي يطال كل خيوط اللعبة الإقليمية.

فالتحالف الجديد الذي وُلد من رحم الحرب على الإرهاب قد يتحول إلى نظام نفوذ جديد يعيد توزيع القوى من المتوسط حتى الخليج.

وبين أن يكون هذا التحالف مدخلًا إلى استقرارٍ مدروس أو شرارةً لزلزالٍ جديد، يقف لبنان اليوم في موقعٍ هشّ، تحاصره التفاهمات من الخارج والانقسامات من الداخل.

إن بعلبك-الهرمل، التي كانت على مدى عقود بوابة الحدود الشرقية، قد تصبح بوابة اختبارٍ لمستقبل لبنان نفسه، فإما أن تنجح الدولة في فرض سيادتها وتثبيت حضورها كفاعل لا كفراغ، وإما أن تُختزل الجغرافيا اللبنانية إلى مساحة تفاهمات أمنية تُدار من وراء الحدود.

وبين هذين الاحتمالين، يتحدد شكل المشرق المقبل: إما شرق أوسط يُعاد بناؤه على قواعد الاستقرار، أو شرق أوسط يُعاد ترسيمه على أنقاض السيادة.

اقرا ايضا: محمد جواد خليفة يعود إلى الميدان الانتخابي..وعبدالله بري يدفع باسماعيل بديلا عن عزالدين في «صور»

السابق
الفراغ الطويل في المجلس الشيعي الأعلى..
التالي
بالصورة: رسائل بين توم باراك وجيفري ابستين.. «إجعلني سعيدا»