“تعالوا نهتف للحبّ الذي قدّسه جبران الشاعر والرسام والنبي، تعالوا نخرج الحب من دائرة الخير والشرّ، وأعلاه فوق القمم… تعالوا نناجي الحرّيّة التي جهر بها جبران خليل جبران، واعتبرها جوهر الوجود، وناداها يوماً من أيامنا.. ناداها (من أعماق هذه الأعماق) علّها تلتفت إلى هذا الجزء من الدنيا المسمّى شرقاً.”
نعم، كانت النصيحة عند العرب تاريخياً بجمل، في حين لم تعد تساوي عند بعض “اللبنانيين المتحذلقين” في أيامنا هذه قشرة بصلة، والتي تعني بشكل واضح ليس فيه أي التباس، أن النصيحة كانت تُقدَّم في الماضي مقابل شيء ذي قيمة، مثل الجمل، للدلالة على أن النصيحة السديدة ثمينة وذات فائدة كبيرة. ومع مرور الوقت، تغيّر المعنى، واختلفت الأمثال لتشير إلى أن النصيحة أصبحت تُقابل بالمشاكل والفضائح في بعض الأحيان والبلدان.
لبنان على سبيل المثال لا الحصر، لأن بعض الأحزاب والمسؤولين لدينا لم يعودوا يتقبّلونها بسهولة كما في السابق، ولبنان المخطوف بين حانا ومانا أحد الأمثلة أو التمثيلات على مسرح الأحداث الدموية… وخلف الكواليس دون أن تعي السلطات اللبنانية حقيقة وجودية جارفة.. حقيقة ما يجري فوق الطاولة.. وما يجري تحت الطاولة في هذه المرحلة الوجوديّة المتراجعة جداً جداً في لبنان وأبعد وأبعد..!
النصائح المستجدّة في زمن المراوغة
في حين حملت النصائح المستجدّة في أيامنا الوجودية هذه إلى لبنان (المراوغ على لا شيء) سوى على أجندات وكراسي أصبحت بالية في حكم المنتهية.. كراسي متحرّكة لم يعد لها من مكان سوى مكبّات النفايات التي يكتظ بها البلد دون معالجات تُذكر أو لا تُذكر، وذكّر إن نفعت الذكرى… نعم، حملت العديد من التوجيهات والتحذيرات إلينا، والتي تهدف إلى حماية مصالح البلاد والعباد واستقرارهما…
بعض هذه النصائح تشمل ولا تقتصر على:
النصيحة الأهم للبنانيين في هذه الأيام هي التركيز على الصمود في مواجهة الأزمات الاقتصادية والاجتماعية المتفاقمة، مع العمل على تعزيز الوحدة الوطنية وتجنّب الانقسامات التي يلعب على أوتارها البعض، والاعتماد على القدرات الذاتية والمبادرات الفردية والمجتمعية من أجل تجاوز هذه المرحلة الصعبة التي ساقنا إليها هذا البعض الذي نعرفه عن ظهر قلب وما زال…
بين وقف التصعيد والوحدة الوطنية
وقف التصعيد الإسرائيلي والتفاوض… نعم، هناك دعوات لوقف التصعيد الإسرائيلي وضرورة انسحاب قوات الاحتلال من الأراضي اللبنانية. هناك توجّه نحو التفاوض كخيار لحلّ الأزمات والنزاعات، ومن يخاف من التفاوض هم أولئك الذين يعيشون على استمرار الأزمات والنزاعات… مع التشديد على أهمية التفاوض المبني على أسس سياسية سيادية وطنية واضحة تحمي لبنان وتحصّنه أولاً وثانياً وثالثاً داخلياً وخارجياً.
العمل على تعزيز الوحدة الوطنية التي يهرّب منها البعض، والتأكيد على أهمية الوحدة الوطنية والعمل المشترك بين جميع الأطراف اللبنانية لمواجهة التحديات، والعمل على دعم الجيش اللبناني والقوى الأمنية… دعم الجيش اللبناني والقوى الأمنية، والتأكيد على أهمية دورهم في حماية البلاد والدفاع عنها في كل المرافق الوطنية دون استثناء.
النصائح الدولية وضغط الخارج
العمل على الضغط الدولي: نعم، هناك دعوات للضغط الدولي على إسرائيل لوقف عدوانها على لبنان وانسحابها من الأراضي اللبنانية، وعدم إعطائها الحجة لمصلحة هذا وذاك، وحروب لا يدفع ثمنها إلا لبنان ولا يستفيد منها إلا المتربّصون في بلادنا، في الداخل والخارج، وتحالفاتهم التاريخية الغادرة…
بشكل عام، يمكن القول إن النصائح المستجدّة للبنان تركز على ضرورة الحفاظ على استقرار البلاد وتعزيز الوحدة الوطنية، مع التشديد على أهمية التفاوض كخيار لحلّ الأزمات والنزاعات… التفاوض مثلنا مثل كل الدول التي تتعرض لأزمات اقتصادية وسياسية واجتماعية وأمنية…
نعم، هناك العديد من النصائح التي يمكن تقديمها للبنان في هذه المرحلة الوجودية والتي يجب نكررها دائماً لأولئك الذين لا يستطيعون أو لا يريدون فهمها، والتعامل بحكمة توجب على لبنان أن يتعامل بحذر مع تلك التحديات التي نواجهها لبنانياً، وخاصة فيما يتعلق بالتصعيد العسكري مع إسرائيل. يجب أن تكون هناك استراتيجية واضحة ومحددة للتعامل مع هذه التحديات من خلال الشرعية اللبنانية وسلاحها، مع تجنب الانزلاق إلى مواجهات عسكرية مفتوحة أصبح الصغير قبل الكبير في لبنان يعرف نتائجها، وخصوصاً أولئك الذين أخذونا في أكثر من حرب بحجة أنهم لا يعلمون!
المدينة الفاضلة في فكر ابن رشد
نعم، علينا وضع خلافاتنا جانباً وأن نعمل معاً بوحدة وطنية لا تتزعزع لمواجهة التحديات التي يواجهها البلد. الوحدة الوطنية هي الأساس والمدماك لمواجهة أي تحديات أمنية أو اقتصادية أو سياسية أو اجتماعية، دون أن يغيب عنا محاسبة المسؤولين عن كل الجرائم الأمنية والمالية والسياسية والاقتصادية دون استثناء.
يجب على الحكومة اللبنانية أن تقدّم كل الدعم للجيش اللبناني – الجيش اللبناني فقط – لتمكينه من القيام بدوره في حماية البلاد والدفاع عن سيادتها. كما يجب على لبنان أن يسعى للتفاوض مع كل ما تحتاجه هذه المرحلة الوجودية من تفاوض كما تعمل الدول لحلّ النزاعات القائمة، مع الحفاظ على حقوقه المشروعة وسيادته الوطنية، ولا عذر أو أجندة عسكرية لأحد خارج حدود الدولة اللبنانية.
يجب على لبنان أن يستفيد من الدعم العربي والدولي، وخصوصاً الدعم العربي المقدَّم له، سواء كان ذلك من خلال المساعدات المالية أو الدعم السياسي. نعم، يجب على السلطات اللبنانية دون استثناءات أن تركّز على تحقيق الاستقرار الداخلي، من خلال معالجة القضايا الاقتصادية والاجتماعية والسياسية المزمنة التي يعاني وما زال يعاني منها لبنان.
كما يجب على لبنان أن يعمل على استعادة الأراضي التي احتلتها إسرائيل، من خلال المفاوضات والوسائل السلمية عبر الدولة الشرعية ولا أحد غيرها. أخيراً وليس آخراً، يجب على الدولة اللبنانية أن تعمل على تعزيز علاقاتها العربية والدولية، والتعاون مع المنظمات الدولية، وهيئة الأمم المتحدة التي لبنان أحد مؤسسيها منذ انطلاقتها، دون أن ننسى رواد الفكر والشرائع والقوانين اللبنانيين الذين شاركوا في كتابة قوانينها السياسية والثقافية والاجتماعية والإنسانية.
يؤكد ابن رشد في كتابه “تلخيص السياسة” أن السياسة يجب أن تمثّل التطبيق العملي للأخلاق، فكما أن الأخلاق تهدف إلى تهذيب الفرد، تهدف السياسة إلى تهذيب الجماعة. ومن هنا، يرى أن كتابه هذا هو الجزء الثاني من العلم العملي، بعد شرحه لكتاب “الأخلاق النيقوماخية” لأرسطو، الذي يمثل الجانب النظري.
إن المدينة الفاضلة لا يمكن أن تقوم إلا على أساس أخلاقي راسخ، أي على وحدة الفضيلة الخاصة والعامة. يعرض ابن رشد نماذج متعددة من النظم السياسية: من المدينة الفاضلة القائمة على التشريعات القانونية والعقل سيّد الموقف… إلى مدينة الوجاهة والشرف حيث يسود الطموح الشخصي والمجد الدنيوي، وصولاً إلى مدينة الاستبداد التي تنحرف عن الفضيلة وتُقيم سلطتها على المال أو القوة. وكيف تحوّلت الدول من مدن فاضلة إلى مدن الاستبداد، وكيف التحوّلات التي غيّرت وجه المدينة من العدالة إلى الحكم الوراثي القائم على الوجاهة والسلطة.
ودائماً ما كان ابن رشد، في تلخيص معرفة تاريخ الحضارات، يلمّح إلى أن فساد الأنظمة السياسية لا ينبع من نقص القوانين والعقل فقط، بل من فساد الأخلاق وتحول المقاصد، حين تُستبدل العدالة بالمال، والعلم بالسلطة، والفضيلة بالمجد الشخصي. في تصوّر ابن رشد، القوانين في تلك الأيام تعادل المدينة الفاضلة. حين تطبّق الدولة أحكام القوانين، تكون أقرب إلى المثال السياسي الأعلى، لأن القوانين والشرائع تجمع بين العقل والمصلحة العامة. أما انحراف الشرائع نحو الجاه أو الثروة، فهو بداية انحلال المدينة.
كتاب “تلخيص السياسة” لابن رشد كان بمثابة مرآة نقدية عكست انحراف الأنظمة السياسية عن “المدينة الفاضلة”، وهو ما يفسر الأثر البالغ لهذا الكتاب واحتمالية كونه السبب المباشر وراء نكبة ابن رشد في هذا الشرق!
اقرا ايضا: بيان الحزب ينسف التفاوض ويؤكد «سلاحنا باقٍ».. والجنوب في عين الغارات الإسرائيلية

