في اللحظة الراهنة التي يعيشها لبنان، تحت ضغط الحرب والتصعيد الإسرائيلي المستمر، لا يمكن قراءة سلوك ما يُسمّى “البيئة الحاضنة” بالعدسات القديمة. فالصورة التي تتشكل في الفضاء العام، خصوصاً في مناطق مثل شارع الحمرا حيث يتواجد عدد كبير من المهجّرين، تكشف تحوّلاً أعمق من مجرد تراجع اقتصادي أو إنهاك اجتماعي. نحن أمام تغير في العلاقة نفسها بين الناس والخطاب السياسي الذي يفترض أنه يمثلهم.
الحزب، فهو حاضر في النسيج الاجتماعي اليومي، في شبكات الدعم، في العلاقات، وفي الرقابة الأفقية التي يمارسها المجتمع على نفسه
المفارقة الأولى، وربما الأكثر دلالة، هي ازدواجية السلوك السياسي: خطاب عدواني وأحياناً خارج حدود اللياقة تجاه الدولة، يقابله صمت أو حذر شديد في التعامل مع الحزب. هذه الازدواجية لا يمكن اختزالها في نفاق أو تناقض أخلاقي، بل هي، في جوهرها، تعبير عن خلل في توازن القوة. تبقى الدولة هدفاً آمناً للغضب. يمكن شتمها، تحميلها المسؤولية، بل وإهانتها دون كلفة تُذكر. أما الحزب، فهو حاضر في النسيج الاجتماعي اليومي، في شبكات الدعم، في العلاقات، وفي الرقابة الأفقية التي يمارسها المجتمع على نفسه. هنا تصبح الكلفة مختلفة، ويصبح الصمت أو التورية خياراً عقلانياً.
هذا ما يفسره بدقة James C. Scott حين يميّز بين “النص الظاهر” و”النص المبطن”. ما يُقال في العلن ليس بالضرورة ما يُعتقد أو يُهمس في الخفاء، خصوصاً عندما تكون كلفة التعبير مرتفعة. لكن ما نراه اليوم يتجاوز هذا الإطار الكلاسيكي. نحن لا نشهد فقط انقساماً بين العلن والخفاء، بل نشهد تحوّلاً إضافياً: الانسحاب من الخطاب نفسه.
لا يبدو الناس عاجزين عن النزول إلى الشارع. هم موجودون أصلاً في الشارع
ففي الحمرا، لا يبدو الناس عاجزين عن النزول إلى الشارع. هم موجودون أصلاً في الشارع. يتحركون يومياً، يجلسون في المقاهي، ويتنقلون بين الأرصفة. الفضاء مفتوح، والحضور كثيف. ومع ذلك، تمر دعوات التعبئة، بما فيها دعوات نعيم قاسم، دون صدى يُذكر. هنا يسقط التفسير السهل القائم على “العجز اللوجستي” أو “كلفة النقل”.
المسألة أعمق: هناك تراجع في الاستعداد للاستجابة.
هذا التراجع لا يُترجم إلى معارضة علنية، ولا إلى تمرد واضح. بل يأخذ شكلاً أكثر هدوءاً وأشد دلالة: عدم الاستجابة. الناس تسمع، لكنها لا تنخرط. الخطاب يمرّ، لكنه لا يحرك. وكأن هناك قطيعة صامتة بين التجربة اليومية للناس وبين اللغة التي تُخاطبهم.
جزء من هذا الشرخ يعود إلى ما يمكن وصفه بـ”الخطاب غير المتوافق أو غير المنسجم” (dephasé). ففي وقت يعيش فيه الناس تهجيراً قاسياً، وضغطاً معيشياً خانقاً، وقلقاً يومياً على أبسط تفاصيل الحياة، يأتي الخطاب السياسي بلغة تعبئة عامة، شعاراتية، لا تلامس الإيقاع الحقيقي للمعاناة. ومع كل خطاب يتكرر فيه هذا الانفصال، يفقد الخطاب نفسه جزءاً من قدرته على التأثير، إلى أن يتحول تدريجياً إلى ضجيج في الخلفية.
لكن هذا لا يعني أن التبعية والخوف اختفيا. الخوف ما زال عنصراً حاضراً، لكنه لم يعد كافياً وحده لتفسير السلوك.
فالخوف قد يمنع الناس من الاعتراض، لكنه لا يضمن استجابتهم. يمكن أن يصمتوا… لكنهم لا يحركون ساكناً
ربما يمكن القول إننا أمام مرحلة جديدة: تراجع فعالية الخوف كأداة تعبئة. فالخوف قد يمنع الناس من الاعتراض، لكنه لا يضمن استجابتهم. يمكن أن يصمتوا… لكنهم لا يحركون ساكناً. يمكن أن يتجنبوا المواجهة… لكنهم لا يشاركون.
هنا تبرز فكرة أخرى لا تقل أهمية: العلاقة بين المساعدات والولاء. في ظل الانهيار الاقتصادي، تصبح إمكانية أي شبكة دعم – سواء كانت حزبية أو غيرها – وسيلة بقاء. لكن هذه المساعدة لا تُنتج بالضرورة ولاءً أيديولوجياً، بل غالباً ما تُنتج اعتماداً قسرياً وصمتاً محسوباً. الفرد الذي يكافح لتأمين حاجاته الأساسية لا يملك ترف المخاطرة بمصدر دعمه، حتى لو كان غير مقتنع بالخطاب الذي يرافقه.
المشهد الذي يتكرر يومياً – رجل يعجز عن شراء حاجات بسيطة من السوبرماركت – ليس تفصيلاً عابراً. إنه يعكس مستوى الهشاشة الذي وصل إليها الناس. وفي مثل هذه الظروف، لا يعود السؤال: “لماذا لا ينزلون إلى الشارع؟” بل يصبح: كيف يمكن أن يُطلب منهم النزول أصلاً؟ ليس لأنهم عاجزون جسدياً، بل لأن أولوياتهم أعيد ترتيبها قسراً: البقاء قبل السياسة، الخبز قبل الشعارات.
ومع ذلك، فإن عدم النزول لا يعني الحياد. بل يمكن قراءته، في هذا السياق، كشكل من أشكال الرفض الصامت، الناس لا تعلن معارضتها، لكنها لا تمنح شرعية فعلية عبر المشاركة. إنها حالة وسطى بين الطاعة والتمرد، حالة من التعليق، من الانتظار، وربما من إعادة التقييم.
بهذا المعنى، يمكن القول إن ما نراه اليوم هو انتقال تدريجي من “البيئة الحاضنة” إلى “البيئة المتعبة”. البيئة الحاضنة تستجيب، تتحرك، تنخرط. أما البيئة المتعبة، فهي تتحمّل، تصمت، لكنها لا تتجاوب. وهذا التحول، حتى لو كان جزئياً أو غير مكتمل، يحمل دلالة سياسية عميقة: تآكل القدرة على التعبئة. هذا ما يجب ان ننتبه له اليوم أكثر من اي شيء آخر!!
لا تختفي السلطة فجأة، ولا تنهار العلاقة بينها وبين جمهورها بضربة واحدة
في النهاية، لا تختفي السلطة فجأة، ولا تنهار العلاقة بينها وبين جمهورها بضربة واحدة. ما يحدث عادة هو شيء أكثر بطئاً وتعقيداً: تراجع تدريجي في الفعالية، انزلاق من الطاعة إلى اللامبالاة، ومن الحماسة إلى الإرهاق. واللافت في هذه المرحلة هو أن هذا التراجع لا يعلن نفسه بصوت عالٍ، بل يظهر في التفاصيل الصغيرة: في عدم النزول، في عدم الإصغاء، في ذلك الصمت الذي لا يشبه القبول، بل يشبه شيئاً آخر لم يتبلور بعد.
هذا “الشيء الآخر” هو ربما ما يجب الإصغاء إليه اليوم، أكثر من أي خطاب سياسي.

