لبنان على حافة حرب جديدة بين «بيان حزب الله» ومغامرات نتنياهو

غارات على الجنوب

بدا المشهد في لبنان مختلفاً، مع تصاعد التوترات بين الأطراف السياسية والعسكرية.

بيان مطوّل صدر عن حزب الله موجّهاً إلى الرؤساء اللبنانيين والشعب، بلغة سياسية مشحونة بالتحذير والعزم، يعلن فيه الحزب رؤيته للموقف الراهن، ورفضه القاطع لأي مسار تفاوضي جديد مع إسرائيل تحت عنوان “تثبيت وقف إطلاق النار”.

لكن البيان، بما حمله من لهجة دفاعية وعبارات سيادية، بدا كأنه يعبّر عن موقف طرفٍ داخل الدولة لا عن الدولة نفسها، فهو يحدّد سقفاً سياسياً وعسكرياً خاصاً به، ويرسم حدوداً جديدة للّغة الوطنية التي لا تزال معلّقة بين منطق المقاومة ومنطق الدولة.

من التحذير إلى الانفجار

لم يكد يمضي وقت طويل على صدور البيان حتى تحوّلت التحذيرات الإسرائيلية إلى عدوانٍ فعلي.

أفيخاي أدرعي، المتحدث باسم جيش الاحتلال، خرج قبل ساعات محذّراً سكان الجنوب من الاقتراب من بعض المناطق، وما لبثت تلك التحذيرات أن تحوّلت إلى قصفٍ عنيف طال بلدات حدودية عدة، في مشهدٍ يختصر انتقال إسرائيل من الحرب النفسية إلى الحرب الميدانية.

القنابل التي سقطت على البيوت كانت الجواب الإسرائيلي العملي على أي حديث لبناني عن سيادة أو التزام بوقف النار.

في هذه اللحظة المشتعلة، لا يبدو أن إسرائيل تتحرّك في فراغ.

فكل قذيفة تُطلق من الجنوب هي أيضاً رسالة سياسية، وكلّ غارة جوية تُقرأ في سياق أوسع من الميدان.

فالحكومة الإسرائيلية، المثقلة بأزماتها الداخلية، تبحث في جبهات الخارج عن خلاصٍ داخلي.

وسيسعى نتنياهو، في محاولة منه لتخفيف الضغوط الواقعة عليه بشأن اتفاق غزة، ومعالجة تراجع شعبيته داخلياً واحتمال التوجّه إلى انتخابات مبكرة، إلى افتعال مواجهة محدودة وقصيرة مع لبنان.

ويهدف من خلال ذلك إلى إبقاء الأزمات مشتعلة في المنطقة، وإلى تحدي حزب الله، وإظهار لبنان ولا سيما جنوبه، كمصدر تهديدٍ لإسرائيل، إضافة إلى اختبار رد فعل الجيش اللبناني وحدود تدخّله.

الجنوب مرآة التناقضات اللبنانية

منذ صباح البيان، بدا واضحاً أن المنطقة تتّجه إلى نهار طويل من النار والرسائل المتبادلة.

فبين حزب يرفض التنازل ويؤكّد حقّه في الرد، ودولة تحاول التمسّك بحدّها الأدنى من التوازن، وعدوٍّ يوسّع هامش ضرباته ليقول إنه لا يعترف بحدود ولا بقرارات دولية، يجد لبنان نفسه مجدداً على حافة اختبار مصيري.

الجنوب، الذي اعتاد أن يكون جبهة الصمود، بات اليوم مرآة لتناقض الداخل والخارج.

الناس هناك يعيشون بين أصوات الانفجارات وبيانات السياسة، بين تحذيرات تأتي من السماء ووعود بالسيادة تُكتب على الورق.

أما السلطة المركزية، فتبدو كمن يراقب النار من بعيد، تحسب الكلمات أكثر مما تحسب الأرواح.

إنّ ما يجري منذ صباح اليوم ليس مجرد تصعيد عابر، بل فصل جديد من معركة تتجاوز حدود لبنان.

فالميدان لم يعد منفصلاً عن الحسابات الكبرى، والرسائل السياسية تُكتب الآن بمداد القصف، لا بالحبر الدبلوماسي.

ولبنان، كما اعتاد، يُترك ليحمل وحده أثقال حرب لا يملك قرارها ولا يستطيع الفكاك من آثارها.

بين السيادة والسلاح

ومع ذلك، يبقى السؤال الأعمق مفتوحاً:

هل يريد نتنياهو فعلاً حرباً، أم يريد فقط أن يختبر حدود الرد؟

وهل حزب الله مستعد للذهاب إلى المواجهة المفتوحة، أم أنه يسعى لتثبيت معادلة ردع جديدة بعد انهيار المعادلة القديمة لصالح اسرائيل عقب خسائر “حرب الاسناد”؟

الجواب لا يزال في الميدان، حيث تختلط رائحة البارود بصدى البيانات، وتتشابك السيادة مع السلاح، ويُكتب مستقبل الجنوب بين نارٍ لا تهدأ وصمتٍ رسمي لا يُفهم.

اقرا ايضا: بيان الحزب ينسف التفاوض ويؤكد «سلاحنا باقٍ».. والجنوب في عين الغارات الإسرائيلية

السابق
مجلس الجنوب يبدأ مسح الأضرار بعد الغارات الإسرائيلية
التالي
نقابة الصحافة تحدد شروط تسجيل المطبوعات الإلكترونية