في لحظةٍ إقليمية مشحونة بالتوترات والتحولات، يترقب اللبنانيون زيارة البابا لاوون الرابع عشر إلى لبنان مطلع ديسمبر المقبل، في خطوةٍ تُقرأ على أكثر من مستوى: ديني، سياسي، ورمزي. فلبنان، البلد الذي طالما شكّل رسالة في العيش المشترك، يجد في الزيارة المرتقبة بارقة دعمٍ دولي ومعنوي وسط العزلة والاضطراب المحيط به.
في هذا السياق، تحدث الوزير السابق روجيه ديب إلى “جنوبية” عن دلالات الزيارة وأبعادها، وعن موقع لبنان والمسيحيين في خريطة المنطقة اليوم، كما تناول احتمالات الحرب أو السلم في الداخل، وتأثير الفاتيكان في السياسات الغربية والأميركية تجاه لبنان.

بداية.. في رمزية الزيارة
يرى الوزير السابق روجيه ديب أن زيارة البابا لاوون الرابع عشر المرتقبة إلى لبنان مطلع شهر ديسمبر، تحمل دلالات بالغة الأهمية على صعيد تثبيت الوجود المسيحي ودعم لبنان ككيانٍ موحد وكرسالة في العيش المشترك والتنوّع الديني.
ويشير ديب إلى أن البابا لا يمكنه زيارة تركيا من دون المرور بلبنان، لما يمثله هذا البلد من رمزية خاصة في وجدان الفاتيكان، لافتًا إلى أن ترتيب الزيارة بعد تركيا يأتي في ظل تعاظم الدور التركي في سوريا وتأثيره غير المباشر في لبنان.
ويعتبر ديب أن هذه الزيارة تمنح لبنان مظلة حماية دولية ومعنوية، إذ يرى الفاتيكان أن لبنان بلد سلام، ومن يفكر في تهديد وجوده “عليه أن يدرك أن لبنان ليس وحيدًا”. ويؤكد أن “المسيحيين في لبنان ثابتون على مبدأين أساسيين: وحدة الكيان اللبناني والتعايش الإسلامي–المسيحي”.
المسيحيون أمام خطر وجودي!
وفي معرض سؤاله عن الوجود المسيحي في لبنان وعلاقته بوجود الدولة، وإمكان تفكك العقد الاجتماعي بين مكوّنات البلاد الطائفية، سواء نتيجة حربٍ إسرائيلية محتملة أو بسبب الصراع الداخلي حول مسألة سلاح حزب الله، استبعد الوزير السابق روجيه ديب اندلاع أي حربٍ كبرى، معتبرًا أن “اليد الإسرائيلية مطلقة في لبنان بعد اتفاق وقف الأعمال العدائية، وهذا الواقع مريح لإسرائيل”.
ويرى ديب أن المسيحيين في لبنان لا يعيشون اليوم تحت تهديدٍ وجودي كما في مراحل سابقة، بل إن المشهد تغيّر جذريًا. ويقول: “دار التاريخ دورةً كاملة، وأصبحنا في مكانٍ مختلف عمّا كنا عليه، سواء في وجه القوى اليسارية التي كانت تشكّل خطرًا في السابق، أو أمام التيارات الإسلامية الأصولية التي تراجعت حدّتها اليوم”.
الحرب الأهلية مقبرة الحزب!
يرى الوزير السابق روجيه ديب أن الخطر الحقيقي الذي يهدد لبنان لا يأتي من الخارج بل من خلافاته الداخلية، إلا أنه يستبعد بشكل قاطع احتمال اندلاع حربٍ أهلية جديدة. ويشرح أن حزب الله هو الطرف الوحيد القادر عسكريًا على إشعال حربٍ داخلية، لكنه لا يمتلك “لا النية ولا المصلحة”، إذ يدرك أن أي مواجهة داخلية ستكون نقطة نهايته السياسية والعسكرية، في ظل وجود جيش لبناني ودولة “أقوى من أي وقت مضى”.
ويشير ديب إلى أن نحو 75 في المئة من اللبنانيين يرفضون بقاء سلاح حزب الله، معتبرًا أن الخطابات التي تتحدث عن احتمال الحرب الأهلية “تندرج في إطار التهويل السياسي لا أكثر”. ويشدد على أهمية إجراء حوارٍ مسيحي–شيعي صريح لتقديم ضمانات متبادلة بين جميع الأطراف وصون الاستقرار الداخلي.
تراجع صورة إسرائيل يعزّز موقع لبنان!
يلفت الوزير السابق روجيه ديب إلى أن المناخين الدولي والإقليمي يشهدان تحولات تصبّ في مصلحة لبنان ومسيحييه، موضحًا أن صورة إسرائيل تدهورت في الغرب والولايات المتحدة بعد حرب غزة، ما أعاد تسليط الضوء على التجربة اللبنانية في التعدد والديمقراطية. كما يشير إلى أن النظام السوري الجديد يسعى إلى طمأنة المسيحيين والتأكيد على حمايتهم، مستدلًا بزيارة الرئيس أحمد الشرع لإحدى الكنائس.
ويخلص ديب إلى أن الخطر الوجودي على المسيحيين تراجع اليوم بفعل تغيّر موازين القوى ومسار التاريخ. ويضيف أن شخصيات أميركية مؤثرة، مثل السيناتور ليندسي غراهام، أبدت مواقف إيجابية تجاه الوجود المسيحي في لبنان والديمقراطية التي يجسدها.
اعتبارات داخلية أم إقليمية!
وأكد روجيه ديب أن مسألة السلام مع إسرائيل لا يمكن النظر إليها من زاوية لبنانية بحتة، بل هي مرتبطة بجملة من العوامل الإقليمية والدولية المتداخلة. ويوضح أن استمرار اتفاق غزة وتطبيق بنوده، إلى جانب قدرة التحالف الإسلامي السني على ملء الفراغ السياسي والعسكري في المنطقة بعد قمة شرم الشيخ، ستكون عناصر أساسية في تحديد مستقبل هذا السلام.
ويضيف ديب أن تطورات الوضع في سوريا، وكذلك مآلات العلاقة بين إيران والولايات المتحدة، تلعب دورًا محوريًا في رسم المشهد المقبل. ويرى أن هناك “جدية أميركية–عربية في تطبيق اتفاق شرم الشيخ والسعي لإنهاء الحروب في المنطقة، لا سيما في لبنان”، مشيرًا إلى أن اللجنة الدولية الخماسية أظهرت دعمًا واضحًا لاستقرار سوريا في المرحلة المقبلة.
تأثير الفاتيكان على السياسات الأميركية والإسرائيلية؟!
ويشير ديب إلى أن البابا لاوون يتمتع بـ”عطفٍ خاص” تجاه القضية الفلسطينية بوصفها قضية إنسانية محقّة، كما يحمل محبة كبيرة للبنان، إذ أمضى جزءًا كبيرًا من حياته في أميركا اللاتينية حيث تنتشر جاليات لبنانية واسعة. ويلفت إلى أن تأثيرات البابا تمتد إلى الدول الغربية في أوروبا وأميركا، ولا سيما فرنسا وإيطاليا، غير أن تأثيره على إسرائيل يبقى غير مباشر ويمر عبر الولايات المتحدة الأميركية.
ويختم بالقول: “الفاتيكان مؤثّر جدًا على المستوى الشخصي لدى الرؤساء الأميركيين، إذ إن جميعهم زاروا الفاتيكان مع زوجاتهم والتقطوا الصور هناك، ما يعكس تأثيرًا شخصيًا يُؤخذ في عين الاعتبار. ثانيًا، إن أبرز شخصين في الإدارة الأميركية الحالية في عهد دونالد ترامب هما من الكاثوليك المتدينين: نائب الرئيس جاي دي فانس ووزير الخارجية ماركو روبيو، وحتى ترامب نفسه حضر جنازة البابا فرنسيس. وعلى الرغم من أن البابا لاوون يُدلي أحيانًا بتصريحات تُزعج ترامب، فإن الأخير لا يردّ عليها”.
اقرا ايضا: «حزب الله» يعيد بناء قوته شمال الليطاني..هل بدأ العد العكسي للحرب الثانية؟!

