يواصل الملف التفاوضي مع إسرائيل تصدّر المشهد اللبناني، في ظلّ إصرار رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون على تثبيت خيار الدبلوماسية كطريق وحيد لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي في الجنوب، ومقاربة هذا المسار بوصفه “خيارًا وطنيًا جامعًا” لا فئويًا.
وخلال لقائه مساعد وزير الخارجية البريطاني لشؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا هاميش فالكونر، أكد عون أنّ “الجيش اللبناني ينفذ الخطة الموضوعة لتحقيق حصرية السلاح ويرفع تقارير دورية إلى مجلس الوزراء”، مشيرًا إلى أن استمرار الاحتلال الإسرائيلي “يعرقل تنفيذ المرحلة الأولى من هذه الخطة”.
عون لم يُخفِ خيبة أمله من استمرار الاعتداءات الإسرائيلية اليومية، مذكّرًا بأنّ “الجيش يجمع السلاح من بعض المخيمات الفلسطينية أيضًا”، في إشارة إلى سعي الدولة لتكريس سيادتها على كامل أراضيها. كما دعا المجتمع الدولي إلى الضغط على إسرائيل للانسحاب من الأراضي المحتلة تمهيدًا لإعادة إعمار البلدات المدمرة جنوبًا، مؤكدًا أن “إعادة الإعمار لا يمكن أن تتم في ظل أجواء أمنية غير مستقرة.
بري يلوّح بـ“الآلية” ويكشف مضمون المباحثات مع واشنطن
في موازاة مواقف بعبدا، أكد رئيس مجلس النواب نبيه بري أن هناك “آلية تفاوضية تُعرف بالميكانزم”، يجدر أن تنعقد دوريًا بمشاركة اختصاصيين من مدنيين وعسكريين، “كما جرى في مفاوضات ترسيم الخط الأزرق والحدود البحرية”.
بري كشف أيضًا أنّ الموفدة الأميركية مورغان أورتاغوس طرحت خلال زيارتها الأخيرة ملفين أساسيين: مزاعم إسرائيل حول استمرار تدفق السلاح من سوريا، واستئناف المفاوضات غير المباشرة. وأكد أن “الادعاءات الإسرائيلية كاذبة بالكامل، لأن واشنطن تملك بوسائلها التقنية علمًا دقيقًا بالواقع الميداني”.
وفي سياق موازٍ، شدّد بري على أن “معركة الجنوبيين اليوم هي معركة الصمود والبقاء في أرضهم رغم آلة القتل الإسرائيلية”، كاشفًا أن لقاء المصيلح التنسيقي “يمهّد لخطة وطنية لإعادة الإعمار”.
رجي يحذّر من مغامرة الحرب ويطالب بتحييد لبنان
في الموازاة، أعاد وزير الخارجية والمغتربين يوسف رجي التأكيد على أن “لا حلّ إلا بالدبلوماسية”، محذرًا من أي انزلاق عسكري قد يطيح بما تبقى من تماسك داخلي.
وقال خلال لقائه الوزير البريطاني فالكونر: “الحكومة اللبنانية تدرك أن الحل العسكري أو خيار الحرب لا يمكن أن يؤديا إلى أي نتيجة. وعلى حزب الله أن يدرك ذلك، كما يجب تحييد لبنان عن سياسة المحاور التي خرّبته”.
وشدّد رجي على أن “لبنان ماضٍ في حصر السلاح تطبيقًا للطائف والبيان الوزاري، لا إرضاءً للخارج بل من أجل مصلحة الدولة القوية”، مطالبًا إسرائيل بإثبات التزامها بوقف الأعمال العدائية وسحب قواتها من الأراضي اللبنانية المحتلة.
من جانبه، أكد المسؤول البريطاني أن بلاده ترفض الاعتداءات الإسرائيلية، مشيرًا إلى أن “الفترة الممتدة حتى نهاية العام دقيقة، لكنها تتيح للبنان فرصة حقيقية للانتقال إلى الاستقرار”. كما أثنى على أداء الجيش اللبناني “الذي يثبت سيادة الدولة خطوة بخطوة”.
ميدان مشتعل… وقلق إسرائيلي متصاعد
في الميدان، استهدفت طائرة إسرائيلية مسيّرة سيارة على طريق كفردجال–النبطية، ما أدى إلى إصابة أحد الأشخاص، فيما فجّر الجيش الإسرائيلي منزلًا في ميس الجبل فجراً.
بالمقابل، نقلت هيئة البث الإسرائيلية عن مصادر عسكرية رفيعة قولها إن “القلق يتزايد في إسرائيل من سرعة إعادة حزب الله بناء قدراته شمال لبنان”، مضيفة أن “بيروت لن تبقى بمنأى إذا استمر الحزب في تعزيز ترسانته”.
ملف الانتخابيات بين الدمج والانقسام
وعلى صعيدٍ داخلي موازٍ، عقدت اللجنة الوزارية المكلفة درس قانون الانتخاب اجتماعًا برئاسة نائب رئيس الحكومة طارق متري، توصلت خلاله إلى اتفاق أولي على دمج مشروعي وزارتي الداخلية والخارجية لتمديد مهلة التسجيل، وإلغاء البطاقة الممغنطة والاستعاضة عنها برمز “QR code”.
لكن الجدل ما زال قائمًا حول مشاركة المغتربين، إذ أعلن وزير العمل محمد حيدر نيّة “الثنائي الشيعي” طرح إلغاء اقتراعهم بالكامل، بينما اقترح وزير العمل بول مرقص تعليق المادة 16 مؤقتًا، في حين أصرت “القوات اللبنانية” على رفع المشروع إلى مجلس النواب الخميس “من دون أي تأخير”.
تدقيق مالي وجنائي لاستعادة الثقة
وفي الشأن المالي، أعلن حاكم مصرف لبنان كريم سعيد إطلاق مناقصة لإجراء تدقيق جنائي خارجي شامل لبرنامج الدعم الحكومي منذ العام 2019، بالتنسيق مع وزارتي المالية والعدل.
وأكد سعيد أن “الهدف هو كشف أي تحويلات أو تجاوزات في عمليات الدعم السابقة، واسترداد الأموال غير المشروعة”، معتبرًا أن “التعاون بين المصرف المركزي والحكومة يشكل ركيزة أساسية لاستعادة الثقة العامة بالنظام المالي”.
لبنان بين خيارين
بين مسار التفاوض الدبلوماسي الذي يقوده الرئيس عون، والموقف الواقعي الذي يتبناه بري، تبدو الدولة اللبنانية في سباقٍ مع الوقت لتثبيت معادلة “السلام الداخلي قبل التفاوض الخارجي”.
لكن هذا المسار محفوف بتحديات: غارات إسرائيلية متواصلة، انقسام داخلي حول الانتخابات، وضغوط مالية تزداد حدة. ومع ذلك، يلوح في الأفق رهان لبناني واضح، أن الدبلوماسية لا تزال الملاذ الأخير قبل أن تتحول جبهات السياسة إلى ميادين نار جديدة.
اقرا ايضا: انتقاد واسع لمراسل «المنار» علي شعيب بعد نشره مشاهد لعناصر الرضوان بوجوههم الواضحة

