لا شك أن المرحلة الحالية والقريبة تحمل في طياتها بعض المصاعب السياسية، وربما تتطور لتصبح أزمات ومصاعب عسكرية في الفترة القريبة والمتوسطة، حيث إن التحركات العسكرية الصهيونية، والتي لا تفارق سماء لبنان من طيران حربي ومسيرات على مدار الساعة وكأنها تعمل على تحديث بنك الأهداف وتقاطعها مع ما هو موجود قبلاً، تحمل تهديداً للمواطنين اللبنانيين، وخصوصاً أن أهل الجنوب تحديداً ومعهم أهالي الضاحية الجنوبية للعاصمة بيروت وبعض مناطق البقاع لم ينسوا بعد أهوال أيلول – سبتمبر من العام الماضي وما رافقه من أهوال، لا زال اللبنانيون لم يتعافوا منها بعد.
حزب الله بين التعافي والهزيمة
في هذا الوقت، والذي يعمل حزب الله على التعافي التنظيمي من آثار الحرب، والتي كانت بمثابة ضربة قاسمة له على مستوى العتيد والعتاد، أصبح من الصعب التعافي منها، وإن كثرت التصريحات لبعض قيادييه عن تعافيه عسكرياً وتنظيمياً وسياسياً.
فعلى المستوى العسكري، حزب الله تلقى ضربة قاضية، لا بل أصيب بهزيمة كبرى من حيث القيادات المؤسسة والمخضرمة، والتي من الصعب في المدى المنظور التعافي منها أو تعويضها، لأن ذلك يتطلب سنوات وتراكم خبرات كبرى لا يمكن أن يتم تعويضها بسنة أو أكثر، بل يحتاج لعقود ليتم تعويضها. أما أمنياً فمن الصعب التخلص من الإرث الكبير من الخرق الإسرائيلي لصفوفه العسكرية والتنظيمية وحتى في بيئته، والتي أصابها ليس الإحباط فحسب، بل الكثير من الهزيمة والانكسار من حيث مدى الخرق وكميته وأهميته في مناطق حساسة لم يُتوقع يوماً أحد أن تبلغه.
قيادة مأزومة تحت الوصاية الإيرانية
أما على صعيد التعافي التنظيمي والسياسي، فكل ما يُحكى عن تعافٍ هو مجرد كلام إعلامي للاستهلاك المحلي وللتغطية على عجز قيادي بلغه حزب الله لا يمكن أن يتعافى منه في ظل الكادرات والقيادات الحالية، وخصوصاً مع انتقال القيادة من بيروت إلى طهران بإشراف ضباط الحرس الثوري وتحت سلطة المرشد الأعلى على وجه الخصوص، فيما يعانيه من انقسام تنظيمي وعلى كل المستويات.
كل هذه الأمور، عدا عن المناكفات التي يفتعلها الحزب مع الحكومة اللبنانية وأجهزة الدولة اللبنانية، تُعطي الأمر مزيداً من السوء يدفع ثمنه لبنان سياسياً، وبالتالي المواطن اللبناني هو الخاسر الأكبر، لا سيما على مستوى إعادة الإعمار وإمكانية التعافي الاقتصادي، لأن كل شيء ينتظر تسليم السلاح، وهذا أساس لا يمكن التنازل عنه أو التساهل به من قبل الدول الداعمة والتي بيدها الحل والربط، وهذا ما لا يريد أن يفهمه حزب الله، بل لا زال يدور في فلك لعبة التذاكي والهروب إلى الأمام.
من هنا، إن ما يدور في عقل وفكر القيادة الإسرائيلية قريب من معرفة تفاصيل التفاصيل التي يعاني منها حزب الله ومعه لبنان.
لبنان بين الدبلوماسية والخيارات الصعبة
لذا، فإن ما يعانيه لبنان على كل المستويات، وعلى الرغم من الدبلوماسية التي يقودها رئيس الجمهورية في زياراته الخارجية وسياساته المتبعة والتي تشاركه بها الحكومة اللبنانية، إلا أن ذلك لا يكفي لإنقاذ لبنان، بل هو عمل قد يُجنب لبنان بعض المخاطر من خلال تأمين مظلة دولية تسعى لحماية لبنان وتعطيه بعض الفرص للنجاة وبلوغ طريق السلامة المنشود. لكن ذلك لا يكفي إذا بقي حزب الله بعيداً عن استيعاب الدروس والعبر ولا زال يُكابر ويربط مصيره ومصير لبنان بمصير طهران.
فلبنان في ظل الدعم الأميركي الواضح لنتنياهو وحكومته يبقى دون القدرة على تحمل النتائج، لذا المطلوب الكثير من التعاون لتقطيع المرحلة، بينما ما يقوم به حزب الله من مناكفات، ولم يكن آخرها إضاءة صخرة الروشة بصور أمينيه العامين، سوى حلقة مفرغة يدور داخلها، وكأنه يُسجل نقاطاً بينما لبنان وشعبه يدفعان الأثمان الباهظة.
خصوصاً إن قررت إسرائيل فتح جبهة الشمال، سيقع لبنان في المحظور وتكون بداية النهاية لما يعانيه من أزمات اقتصادية ومالية وغيرها من أزمات دون أن يجد معيناً يعينه على تخطي المرحلة السوداء التي يعيشها منذ سنوات، والتي في كل عام تزداد صعوبتها أكثر فأكثر.
فلبنان قادم على مخاطر كبرى وهو بحاجة لقادة بحجم رجال دولة، وممارسات تبتعد عن الألاعيب والممارسات الصبيانية في ظل هذا الكم من المخاطر.
اقرا ايضا: ازمة إضاءة «صخرة الروشة» انتهت… بولا يعقوبيان: قرار نواف سلام جريء وصائب…

