بين غزة الجريحة والدوحة الوسيطة وبيروت المنقسمة، يتوزّع المشهد الإقليمي واللبناني على خيوط متشابكة من الحرب والسياسة والعدالة المؤجّلة.
غزة… اجتياح مفتوح على المجهول
الخطوة التي أقدم عليها بنيامين نتنياهو باعلانهاليوم بدء اجتياح غزة برياً لا تخرج فقط من سياق الانتقام العسكري، بل تعكس أزمة داخلية حادة يعيشها رئيس الحكومة الإسرائيلية. مثوله أمام المحكمة المركزية في تل أبيب بتهم فساد ومحاولة الحفاظ على موقعه في الحكم، يفسّران اندفاعه إلى عملية وصفها بـ”الحاسمة”. لكنّ نتائجها حتى الساعة تترجم نزوحاً جماعياً بلغ أكثر من 40% من سكان المدينة، وصورة عن حرب إبادة تُحرج إسرائيل دولياً رغم مظلّة الدعم الغربي.
المفارقة أن الاجتياح الإسرائيلي جاء بعد استهداف الدوحة نفسها بغارة سابقة، في رسالة مزدوجة: الضغط على الوسيط القطري وإرباك مسار أي تفاوض ترعاه القمة العربية – الإسلامية الطارئة. وصول وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو إلى العاصمة القطرية، يشي بأن واشنطن لا تريد خسارة قناة الوساطة الوحيدة التي ما زالت قادرة على التحدث إلى حماس. وهنا يتضح أن المعركة ليست فقط عسكرية، بل هي سباق على احتكار طاولة التفاوض.
قانون الانتخاب… محور الداخل اللبناني
في لبنان، انتقل النقاش سريعاً من الملفات الأمنية إلى قانون الانتخاب. رئيس الحكومة نواف سلام حرص على دعوة المغتربين للتسجيل، فيما شدد وزير الداخلية أحمد الحجار على التزام موعد أيار 2026. الكتائب والقوات، رغم خلافاتهما، التقتا عند رفض أي تأجيل للاستحقاق، في مقابل اتهامات بأن “محور الممانعة” يراهن على المماطلة لتأجيل الانتخابات. هذا السجال يعكس عمق الصراع على قواعد اللعبة السياسية في ظلّ متغيرات إقليمية قد تقلب التوازنات.
السلاح… المعضلة المزمنة
رغم غبار الحرب في غزة، يظل ملف سلاح حزب الله مطروحاً بقوة. سامي الجميل دعا إلى تسريع تسليم السلاح، مؤكداً أن الأمر يمكن إنجازه خلال شهر إذا توافرت الإرادة السياسية. رئيس الحكومة نواف سلام أصرّ من جهته على أن قرار بسط سلطة الدولة ليس جديداً بل امتداد لاتفاق الطائف، وأن الجيش باشر تنفيذ خطة محددة زمنياً. الإشكالية تكمن في أن حزب الله لم يُبدِ حتى الآن أي تجاوب، ما يجعل الملف مرشحاً لإطالة أمد التوتر.
العدالة المؤجلة… من المرفأ إلى بلغاريا
قضية مرفأ بيروت عادت إلى الواجهة مع توقيف مالك سفينة النيترات في بلغاريا. خطوة قضائية رمزية لكنها تحمل بعداً معنوياً كبيراً لذوي الضحايا والرأي العام، إذ تذكّر بأن العدالة الدولية قد تسبق أحياناً الدولة اللبنانية في تحمّل المسؤولية. وزير العدل عادل نصار تعهد بمتابعة الملف مع السلطات البلغارية، لكن التجربة المريرة مع التحقيقات المحلية تجعل اللبنانيين أكثر حذراً في توقعاتهم.
تتقاطع اليوم ثلاثة مشاهد: اجتياح دموي في غزة يهدد بفتح أبواب نزوح غير مسبوق، تحرك دبلوماسي في الدوحة يوازن بين الضغوط الأميركية والاستهداف الإسرائيلي، وداخل لبناني مشغول بقانون انتخاب وبملف سلاح لم يزل عصياً على الحل. في كل هذه الملفات، يبقى القاسم المشترك أن الأزمات لم تعد معزولة، بل مترابطة إلى حدّ أن أي انفجار في غزة أو الدوحة سرعان ما يترك ارتداداته في بيروت.
اقرا ايضا: حزب الله نحو التحوّل السياسي وتحجيم البنية الأمنية العسكرية

