يعيش حزب الله حالة تخبّط لم يشهد مثيلاً لها منذ تأسيسه عام 1982 على كافة المستويات والصعد: خلل أمني، استسلام، شلل عسكري وأزمة مالية. يضاف إلى ذلك ضياع في بلورة خطاب سياسي يقنع بيئته أو حتى يستعيد به بعض حلفاء الأمس الذين فرّوا من حوله.، وهو اليوم أمام حقل تجارب لولادة حزب سياسي جديد.
وجد حزب الله نفسه معزولاً، متمسّكاً بقوة بحليفه المنهك نبيه بري، كمن يتعلّق بـ”قشّة” وسط البحر. وتشير مصادر مواكبة إلى أن الحزب أصبح مقتنعاً بضرورة التفرّغ للعمل السياسي، وأن المرحلة لم تعد للعمل المسلّح، لذلك قام بعدة خطوات تنظيمية ناعمة.
فجناح فلول “حزب الدعوة” في حزب الله شاءت الحرب أن تضعه في سدّة الحكم، ليصبح الأقوى داخل التنظيم بدءاً بالأمين العام الشيخ نعيم قاسم، وهو الشخصية السياسية، مروراً برئيس كتلته محمد رعد، والوزير السابق محمد فنيش الذي يتولّى ملف العمل الحكومي داخل الحزب، وصولاً إلى بروز دور القيادي محمود قماطي.
بالمقابل، شهدنا أفولاً أو تغييباً لكل من حسين خليل المعاون السياسي للأمين العام الأسبق السيد حسن نصر الله، والشيخ محمد يزبك، والسيد إبراهيم أمين السيد، وغيرهم من قيادات الواجهة ما قبل اغتيال نصر الله وصفّي الدين.
انكفاء الجناح العسكري وصعود الوجوه السياسية
وتقول المصادر إن “إسرائيل فرّغت حزب الله من جناح الجهاديين والمتشددين وغيّرت لونه من عسكري إلى سياسي، كما أنها فككت خلفيته الثقافية والعقائدية التي كانت سائدة في عهد نصر الله”. وتؤكد أن بعض القرارات والتعيينات التي تخص حزب الله لم يعرف بها بعض أعضاء الشورى إلا بعد حصولها أو تسريبها عبر الإعلام، ما أدى إلى اعتراضات واعتكافات استدعت تدخل السفير الإيراني لمعالجتها وترميمها.
وتكشف المصادر أن الحزب يستكمل بشكل بطيء خطواته الالتفافية ويجري بعض التغييرات التي تطمئن الآخرين، وهو بصدد حل وحدة التنسيق والارتباط التي يتولاها وفيق صفا، نظراً للإخفاقات وللإنطباع السيّء الذي تركه خلفه في المرحلة السابقة، خصوصاً في ملفات القضاء والعسكر والأمن. وتشير المصادر إلى أنه قد يتم تعيين شخصية حزبية مرنة وأكاديمية لتتولى مهام التواصل مع أجهزة الدولة، فيما بدأت قيادة الحزب الحالية بتقليص صلاحيات صفا على أن يكون التواصل معه محدوداً جداً داخل التنظيم وخارجه.
“إسرائيل فرّغت حزب الله من جناح الجهاديين والمتشددين وغيّرت لونه من عسكري إلى سياسي، كما أنها فككت خلفيته الثقافية والعقائدية التي كانت سائدة في عهد نصر الله”.
محاولات لفك العزلة
المعلومات تشير إلى أن حزب الله، وللخروج من عزلته، سيبدأ بالعمل على فتح قنوات مع الأطراف اللبنانية، وخاصة السنية منها، بالتزامن مع صياغة خطاب سياسي جديد. وقد بدأ الحزب بتخفيف حدّة تصريحاته تجاه السعودية محاولاً تمرير رسائل إيجابية، كما أنه يتجنّب التصادم مع سوريا الشرع، وهذا كان واضحاً في بيان النفي والتوضيح الملطف وإشارته إلى حرصه على استقرار سوريا وشعبها، في معرض ردّه على إعلان الداخلية السورية توقيف خلية تابعة له في ريف دمشق.
وتقول المصادر إن الحزب سيقود في المرحلة القادمة خطابين: خطاباً لتحشيد البيئة وشدّ عصبها على أساس طائفي ومذهبي باعتبارها بيئة مضطهدة “وحده حزب الله يحميها”، ويقود هذا الخطاب متخصصون بالإعلام الإلكتروني وبعض صحافيي “المحور”.
أما الخطاب الآخر فموجّه إلى خارج البيئة، وسيكون ليّناً وغير مستفزّ، في محاولة لنيل تعاطف الرأي العام وممارسة “الديماغوجيا” المعهودة لأغراض انتخابية.
حزب الله، وللخروج من عزلته، سيبدأ بالعمل على فتح قنوات مع الأطراف اللبنانية، وخاصة السنية منها، بالتزامن مع صياغة خطاب سياسي جديد.
والحزب ليس بوارد رفع خطابه بوجه القوات اللبنانية، ولا يُستبعد ـ بحسب المصادر ـ فتح قنوات اتصال بين القوات وحزب الله، خصوصاً أن نقاشاً يدور في أروقة الحزب حول خطاب سمير جعجع الأخير، الذي وجد فيه بعض القيادات إيجابيات أكثر من خطاب حلفاء الأمس، وأبرزهم التيار الوطني الحر الذين انقضّوا عليه و”كوعوا” بعد ان خسر حربه الاخيرة وسقط مهزوما.
اقرا ايضا: علي حمادة لـ«جنوبية»: القمة العربية الإسلامية في الدوحة موجّهة لـ«واشنطن» والوساطة القطرية مجمّدة

