يتجدد في الداخل الإيراني الجدل حول جدوى التفاوض مع الولايات المتحدة، في ظل تصاعد التهديد بفرض عقوبات دولية جديدة تزيد من معاناة الداخل المنهك. وبينما يرفع التيار الإصلاحي شعار التفاوض المباشر مع واشنطن هو الطريق لإنقاذ البلاد، يتمسك المحافظون بموقف معاكس يرون فيه أن أي حوار مع الأميركيين ليس سوى فخ يعيد إنتاج المؤامرات والاعتداءات.
كروبي: للتفاوض المباشر مع واشنطن
في هذا السياق، خرج الرئيس الأسبق للبرلمان مهدي كروبي بخطاب صريح دعا فيه إلى التفاوض المباشر مع الولايات المتحدة باعتباره السبيل الوحيد لرفع العقوبات وإنهاء شبح الحرب، مؤكداً أن هذه الخطوة ضرورية للحفاظ على وحدة الأراضي الإيرانية وصون المصالح الوطنية.
وشدد كروبي على أهمية أن تحدد إيران بوضوح طبيعة علاقاتها مع العالم، بما في ذلك واشنطن، محذراً من أن استمرار الوضع الراهن ليس سوى نتيجة الإصرار على السياسات الخاطئة وتجاهل حقوق الشعب.
في لحظة سياسية دقيقة تعيشها إيران، برزت تصريحات الزعيم الإصلاحي آية الله مهدي كروبي لتعيد رسم مشهد المعارضة من الداخل. الرجل الذي خرج قبل أشهر قليلة من الإقامة الجبرية، بعد 14 عاماً من العزلة السياسية بسبب قيادته الحركة الخضراء عام 2009، لم يتردّد في الدعوة إلى التفاوض المباشر مع الولايات المتحدة باعتباره الخيار الوحيد لـ”رفع شبح العقوبات والحرب عن كاهل البلاد”.
تصريحات كروبي جاءت من موقع إصلاحي صريح، وبنبرة سياسية – أخلاقية في آن واحد. فهو لم يكتفِ بالتشخيص الاقتصادي – الاجتماعي القاسي، بل حمّل السياسات “المغامِرة” مسؤولية إيصال البلاد إلى أزمات المعيشة والطاقة والحرمان، قائلاً بوضوح: “لم يثر الشعب لكي يجد نفسه اليوم محرومًا من الغاز شتاءً ومن الكهرباء صيفاً”.
في خلفية كلامه أكثر من دلالة، أولها الجرأة على مجابهة خطاب المرشد الأعلى السيد علي خامنئي الذي وصف أنصار التفاوض المباشر بـ”السطحيين”، وثانيها عودة الخطاب الإصلاحي الذي يربط بين السياسات الخارجية والضغوط المعيشية، وثالثها، تأكيد أن أي إصلاح سياسي حقيقي يبدأ من “الاعتراف بالأخطاء” والعودة إلى الشعب باعتباره مصدر الشرعية.
لم يتردّد كروبي في الدعوة إلى التفاوض المباشر مع الولايات المتحدة باعتباره الخيار الوحيد لـ”رفع شبح العقوبات والحرب عن كاهل البلاد”
بهذا المعنى، تبدو مداخلة كروبي بمثابة “استعادة رمزية للحركة الإصلاحية” التي كبحت منذ أكثر من عقد، ورسالة إلى الداخل والخارج بأن هناك أصواتاً في إيران لم تعد ترى في الصراع مع واشنطن قدراً محتوماً، بل مأزقاً يمكن تجاوزه عبر مبادرة سياسية مدروسة قائمة على رؤية جديدة تراعي المصلحة الايرانية بالدرجة الاولى.
روحاني يحذّر من “السناب باك”
في موازاة خطاب كروبي الإصلاحي – السياسي، حملت تصريحات الرئيس الأسبق الشيخ حسن روحاني طابعاً تقنياً – دبلوماسياً، لكنه لا يقل خطورة من حيث الرسائل. روحاني، الذي ارتبط اسمه بالاتفاق النووي لعام 2015، فقد حذّر من أن إعادة تفعيل آلية “سناب باك” (العودة الآلية للعقوبات) من قبل الترويكا الأوروبية سيعيد إيران إلى مرحلة ما قبل الاتفاق، مع ما يعنيه ذلك من العودة إلى “الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة” وقرارات مجلس الأمن الستة التي صدرت بين 2006 و2010.
رسائل روحاني كانت واضحة، وهي إن العقوبات الأميركية القصوى جعلت الاقتصاد الإيراني يعيش تحت ضغط خانق، وبالتالي فإن الأثر الاقتصادي المباشر لـ”السناب باك” قد يكون محدوداً، لكن التبعات السياسية والقانونية ستكون “ثقيلة” لأنها تضع إيران مجدداً في خانة الدولة المهددة بالسلم الدولي، وان الحل لا يكمن في التصعيد الذي تعتمده السلطات الايرانية حاليا، بل في إحياء المسار التفاوضي مع أوروبا، مع إبقاء باب العودة إلى طاولة المفاوضات مفتوحاً خلال المهلة المتاحة.
روحاني، في الوقت نفسه، لم يُخفِ انتقاده للنظام من الداخل، ملمّحاً إلى أن حكومته السابقة حوربت داخلياً، وأن هناك جهات عطّلت جهوده في التوصل إلى تفاهم مع إدارة بايدن خلال السنوات الأخيرة. مؤكدًا أن طهران تكبّدت خسائر مباشرة وغير مباشرة تُقدر بنحو 500 مليار دولار خلال السنوات الأربع الماضية.وأشار روحاني إلى أن السبب هو عدم العودة إلى الاتفاق النووي في العام 2021، خلال فترة رئاسة الرئيس الأميركي السابق جو بايدن، على الرغم من إنجاز جميع الترتيبات والتفاهمات في ذلك الوقت.
هذه الإشارة تكشف عمق الانقسام داخل النظام حول الملف النووي، حيث لا يزال الجناح المتشدد يرى في أي تنازل “خسارة استراتيجية”، فيما يراه المعتدلون “مكسباً وطنياً”.
هل يستمع النظام؟
ما يجمع بين كروبي وروحاني هو إدراكهما أن المأزق الإيراني لم يعد قابلاً للتأجيل، الأول يطرح التفاوض المباشر مع واشنطن كضرورة وطنية، والثاني يحذر من أن تجاهل تهديد “السناب باك” سيعني خسارة ما تبقى من مكاسب الاتفاق النووي، ومع ذلك، فإن الرسالتين تلتقيان عند نقطة واحدة وهي ان لا مفرّ من الحوار والاعتراف بالأخطاء، وإلا فإن إيران ستجد نفسها في عزلة أعمق، وضغط خارجي أكبر، وغضب شعبي متصاعد.
روحاني لم يُخفِ انتقاده للنظام من الداخل، ملمّحاً إلى أن حكومته السابقة حوربت داخلياً، وأن هناك جهات عطّلت جهوده في التوصل إلى تفاهم مع إدارة بايدن خلال السنوات الأخيرة
وبالنهاية، فإن تصريحات الشيخين الاصلاحيين كروبي وروحاني لا تعني أن المعارضة الداخلية موحدة أو قادرة اليوم على فرض بديل سياسي، لكنها تكشف أن مساحة النقد من داخل النظام بدأت تتسع، وأن الصدع بين خط المرشد والجناح الإصلاحي – المعتدل يزداد وضوحاً، وفي لحظة تتهددها عودة العقوبات الأممية وتزايد الاحتقان الشعبي، يصبح السؤال: هل ينفتح النظام على هذه الأصوات الإصلاحية ويمنحها مساحة للتأثير في القرار، أم يستمر في سياسة الإنكار التي قد تقوده إلى مواجهة غير محسوبة مع الداخل والخارج معاً؟
اقرا ايضا: الوزير طارق متري لـ«جنوبية»: مرحلة جديدة من النديّة والإيجابيّة بين لبنان وسوريا

