أَية دولة، أو غرفة عمليات لا إنسانية هذه؟

الدين السياسة

لم يبقَ شيءُ لم يطبقَ على مضغةِ روحي، كم هي مكلفةٌ هذه القاذورات، تتفتحُ في روحي نبوءات غريبة، يتفسخ بنفسج كثير، يَقِظٌ لحمي على طاولة التشريح، مدهوش من كثرة المباضع والمخالب، والأَضواء القذرة والوجوه الغريبة. أَية غرفة عمليات لا إنسانية هذه؟”.

مظفر النواب

دويلات الطوائف ومخدرات السياسة

الدين السياسي أفيون الشعوب.. والسياسات الطائفية أفيون الأوطان في بلدان الدويلات المتنازعة.. دويلات أحزاب الألوان، والإعلام الشعبوي، والأعلام والشعارات الملونة.. دويلات الأحزاب والتيارات والجمعيات السياسية الملونة في دويلات داخل الدولة…  دويلات توزيع “المخدرات” العقائدية، والدينية، والايديولوجية، والفكرية، والسياسية مجانا على الجماهير الطائفية.. الجماهير المطروحة، والمضروبة، والمجموعة، والمقسومة على نفسها وعلى بعضها البعض.. جماهير طوائف، وعشائر، وقبائل، ومجموعات، وعُصب وعصبيات تتعاطى مخدرات فكر الأحزاب والتيارات والجمعيات والطوائف والمذاهب والاثنيات والوثنيات والأقليات من كل الأطياف والأنواع من أقصى البلد المصادر إلى اقصاه.. دويلات الغربة والتغريب والتخريب اليومي.. والهجرة اليومية.. والنزوح اليومي.. دويلات الجوع، والمرض، والموت الجماعي يومياً.. ضحايا “جمهورية” الدويلات المثلثة.. أو جمهورية المثلثات والمربعات.. بلاد الثالوث – ثالوث سماسرة السياسة.. الدين السياسي.. والمال السياسي.. والعهر السياسي!

في كتابه “إعترافات ولعنات” يقول إميل سيوران: «الإنتقال من الاحتقار إلى عدم الإكتراث يبدو سهلاً. في حين أننا لسنا هنا أمام نقلة بقدر ما أننا هنا أمام تحقق وإنجاز مدهش. الاحتقار هو الإنتصار الأول على العالم. عدم الإكتراث هو الإنتصار الأخير، الإنتصار الأقصى. المسافة الفاصلة بينهما شبيهة بالطريق التي تقود الحرية إلى التحرر»..

من غارسيا ماركيز إلى غرامشي… ومن فاوست إلى الميليشيا

يوم رفضت السلطات الأميركية منح تأشيرة الدخول إلى الولايات المتحدة للكاتب الكولومبي “غابرييل غارسيا ماركيز” حين دَعَتْه إحدىٰ المؤسسات الأدبية في أميريكا لإجراء حوار معه حول روايته الأشهر “مئة عام من العزلة” والتي أَهّلَته للفوز بجائزة نوبل للآداب.. قال قولته المشهورة.. هؤلاء الأغبياء لايعرفون بأن تأثير الكاتب ليس بجسده بل بأفكاره وأفكاري دخلت بلادهم دون تأشيرة دخول..

نحن من بلاد أصبحت بحاجة وجودية إلى “المثقف” الحقيقي.. المثقف العضوي، تعبير استخدمه لأول مرة، المفكر الإيطالي أنطونيو غرامشي، رأى من خلال تعريفه أن ما يميز المثقف، أنه بما يمتلكه من علم ومعرفة، يمثل حالة متقدمة في الوعي، ضمن المجتمع الذي يعيش فيه. إن وعيه المتقدم على أفراد مجتمعه، يحمله باستمرار، مسؤولية تاريخية، تتمثل في الإسهام، في تجديد الفكر، بما يخدم مشروع التقدم والنهضة في بلاده. ذلك يعني أن دور المثقف هو عدم الانكفاء، والتشرنق بالأبراج العالية، بعيداً عن مجتمعه وآماله وتطلعاته، وأيضاً عن موروث هذا المجتمع والتقاليد والأعراف التي صنعت تاريخه. المثقف الذي يستطيع ان يفهم لعبة المثلثات: من رجال السياسة مرورا  بكهنوت الدين السياسي وصولاً إلى اوليغارشية المال السياسي.. وقصة الحِجر الفكري واغتيال الثقافة الإنسانية والأبداع؟

نحن بحاجة ماسة إلى تعريف مفهوم التحرر والحرية… تعريف مواصفاتها وشروطها الذاتية والموضوعية على ارضية الواقعية الفكرية السياسية والاقتصادية والاجتماعية العلمية.. نعم، الواقعية السياسية.. والسياسة الواقعية، نحن أمام طبقة سياسية تتقن لعبة السلطة المركزية الحاكمة من ألف “الدولة” المصادرة إلى يائها وما بينهما من حروف العلة والسبب.. طبقة تتقن العزف على أدوات وآلات ووسائل فن الممكن.. وفن التلقين.. وصولا إلى فن الحكم والسيطرة.. فن الحكم والسيطرة على قاعدة “الغاية -الغابة- تبرر الوسيلة”.. “الغابة” تبرر في قناعة تلك السلطة والطبقة الفاسدة الحاكمة وأحزابها الأسلحة الفتاكة والوسائل والوسائط المميتة.. نحن أمام سلطة تعتقد وتؤمن ان السياسة فن الطائفية الممكن.. من اجل ترسيخ وإقامة سلطة الدين السياسي المالي الممكن.. والدين السياسي الممكن.. دين الطائفيه الحاكمة الممكنة والغير ممكنة!

 نحن أمام طبقة سياسية تتقن لعبة السلطة المركزية الحاكمة من ألف “الدولة” المصادرة إلى يائها وما بينهما من حروف العلة والسبب.. طبقة تتقن العزف على أدوات وآلات ووسائل فن الممكن

جمهورية الأحزاب… من الحنونة إلى الديناصورات

شهد لبنان الأحزاب منذ نشأته او إنشائه قبل مئة عام لكنّها منفردة ومجتمعة فشلت تاريخياً في بناء دولةٍ حديثة، يبلغ عدد الأحزاب والمنظمات والتيارات والتنظيمات والجمعيات والتركيبات السياسية في لبنان تاريخياً 166 حزباً…، 85 منها رُخّص لها بين 2007 و2017، وجميعها تخضع لقانونٍ “عثملّي” يعود إلى العام 1909، بعضها يضمّ رجلاً وزوجته ومرافقه، وبعضها الآخر يدّعي أنه عابرٌ للطوائف، في حين معظم أحزاب لبنان طائفية حتى العظم.. وبعضها عائلي وراثي والحبل على الغارب، وربّما قلّد اللبنانيون أمّهم الحنونة التي تضمّ 408 حزب لكن 25 منها فقط في البرلمان، ولم يقلّدوا ألمانيا التي يعمل فيها 15 حزباً أو أميركا الخمسة أحزاب فقط.

نحن نعيش كما لو اننا في عصر الساحر الخيميائي يوهان جورج فاوست الذي يحقق نجاحات، ولكن طمعه جعله غير راضٍ عن ذلك فيُبرم عقداً مع الشيطان يسلم إليه روحه في مقابل الحصول على كافة الملذات المطلقة.. ما يقوده إلى استدعاء الشيطان مفستوفيليس ليبرم معه عقداً يقضي بأن يقوم بخدمته طوال حياته ليستولي على روحه بعد مماته، الاستيلاء المشروط ببلوغ الدكتور فاوست في حياته “الافتراضية” الجديدة المحدودة قمة السعادة او بالأحرى قمة الطمع والجشع. فاوست الذي حصل على ما يريد، وبدا أول وهلة أنه مقبل على الحياة بحماسة شديدة، سرعان ما ينشأ صراع داخلي بينه وبين نفسه من جهة وبينه وبين الشيطان. ويقع فاوست بسبب هذا الشعور فريسة للندم الأخلاقي والشعور بالذنب. تذمّر فاوست، وحاول التمرد على الشيطان ناسيا عهده له وميثاقه بالدم. وأخيرا عندما كان فاوست متحمسا الى رؤية وطنه، في تلك اللحظة صرّح تصريحه الأخير بأنه وجد ما كان يبحث عنه: “ان السعادة تتجسد في انسان حر فوق أرض حرة”، ولكن جاء تصريحه متأخراً جدأ.

اليوم، نحن مجرد بحر.. كما يقول رودي فرانسيسكو.. مجرد بحر.. نحاول التصالح مع الحطام.. في جوفه.. على أمل ان يقبلنا أحدهم.. ونحن المراكب الغرقى. لم يبقى من سفينة نوح اللبنانية سوى بقايا سمكة صغيرة متحجرة من العصور الجليدية القديمة الغابرة.. وحزباً استعار اسم الله وإحدى صفاته وأسمائه الإلهية الحسنى.. وشهادة مُلتبسة.. شهادة أن لا إله إلا الولي الفقيه.. لا إله إلا الولي الفقيه.. دون الاعتراف ان زرادشت كان في يوماً من الأيام نبيا… لم يبقى من مراكب الهويات القاتلة سوى هوياتٍ مبعثرة وأسماءٍ مبعثرةٍ وحزباً أخر.. حزب طائفي أخر.. من رحم وذرية كتائب الموسولينية الفينيقية القديمة الجديدة والمستجدة.. حزب آخر يدّعي صفة الألوهية الطائفية والألوهية المذهبية والألوهية الأكثرية المسيحية. لم يبقى من غابة الأحزاب والتيارات والديناصورات اللبنانية المنقرضة سوى راية أحد الأحزاب الخضراء الباهتة.. راية الصوت الواحد.. والأمل الأوحد.. الأمل المفقود.. وأطياف رايات خضراء باهتة من زمناً ولى ومضى.. وشعارت أكل الدهر عليها وشرب. لم يبقى من سفينة مستقبل البلد سوى ضريح على مساحة وطن..

لم يبقى من سفينة المستقبل سوى ذكرى أسطورة لبنانية أخرى.. أسطورة  اكبر من بلد.. وأكبر من وطن.. أسطورة معلقة مع وقف التنفيذ.. تنفيذ الإبحار.. نحو المستقبل…! لم يبقى من سفينة الماضي الإقطاعي سوى هياكل حزب يراوح بين الإقطاعية الاشتراكية وبين الاشتراكية الإقطاعية.. هياكل حزب “تقدمي” عاجز عن تعريف الفرق بين الإقطاعية السياسية والاشتراكية العلمية… لم يبقى من سفينة القراصنة الجدد سوى بدلة الجنرال القديمة، وبقايا نياشين أتت عليها ملوحة الهواء والرطوبة.. أتت عليها رطوبة الهواء اليابس.. والهواء الحامِض.. سفينة الهياكل العظمية وأضغاث أحلام.. أحلام الجنرال النائم.. وأضغاث أحلام الفتى الطائر.. المراهق الطائر.. مراهق يعيش في بدلة جنرال.. ويعتقد نفسه جنرال… “عروس السفائن إن المراكب إن لم يكن فوقها -كما يقول مظفر النواب- عالمُ بالبحار تنزُّ.. عروس السفائن أسندت ظهري على خشب الشمس فيكِ.. حريصاً على الصمت.. أستنجد البحر.. يارب البحر.. يا رب الليل.. أنقذ مطلقك الكامن في الأنسان.. فإن المتبقين من العصر الحجري تطاردني.. أنقذني من وطني.. يا رب الليل.. يا رب البحر!

شهد لبنان الأحزاب منذ نشأته او إنشائه قبل مئة عام لكنّها منفردة ومجتمعة فشلت تاريخياً في بناء دولةٍ حديثة، يبلغ عدد الأحزاب والمنظمات والتيارات والتنظيمات والجمعيات والتركيبات السياسية في لبنان تاريخياً 166 حزباً

من فيروز إلى الفتى الحائر

لم تعد تنفع أغاني سفيرة الفيروز والحجارة الكريمة إلى النجوم .. فيروز لبنان ام زياد.. فيروز الغضبُ الساطِع آتٍ وأنا كُلي إيمان.. لم تعد تنفع أغاني وديع الصوت العالي والصوت الرخيم والدلعونا والميجانا.. وديع الصوت الشامخ .. وديع عنفوان الجبل اللبناني الأشم.. يا ابني بلادك ألبَك اعطيها.. لم تعد تنفع مواويل شحرورة الأغنية اللبنانية.. لم تعد تنفع أغاني نصري شمس الأغنية اللبنانية ودينها.. نصري شمس الدين.. لم تعد تنفع أغاني مارسيل الوطنية.. أغنية مهدي عامل.. مهدي مات.

لم تعد تجدي نفعاً أغاني بحبك يا لبنان يا وطني بحبك ولا أغاني لبنان الأخضر.. ولبنان الكرامة والشعب العنيد.. ولا خبطة قدمكم عالأرض هدارة.. وعندك بحرية يا ريس.. ومنتصبَ القامةِ أمشي مرفوع الهامة أمشي… لم تعد تجدي أغنية يا بحريه هيلا هيلا.. ويا دروبي يا دروبي.. ويا ظريف الطول.. وكيف حالهن حبايبنا.. لم تعد أغنية وعدي الك وعد الصوت تنفع… لم تعد أغنية راجعون.. وطير الوروار.. والله معك يا هوانا تنفع.. كما لم تعد تنفع أغاني الصبوحة وأيام اللؤلؤ والو بيروت من فضلك يا عينيي عطيني بيروت عجل بالخط شويه.. لم يعد من شيء ينفع.. لا شيء ينفع.. لا شيء.. يعز علينا غداً ان تعود.. رفوف الطيور.. ونحن هنا… وهناك… مكانك راوح!

السابق
مليارات سوريا وفلافل لبنان
التالي
وداع حاشد لزياد الرحباني في بيروت..