في لحظة رمزية اختصرت مشهد الانهيار اللبناني، ظهر رئيس الجمهورية وهو يتناول سندويش فلافل في أحد مطاعم سن الفيل، بينما كانت سوريا – التي خرجت من حرب مدمّرة – تتلقى أولى دفعات “المليارات” من المساعدات الدولية. صورة لبنانية متواضعة تقابل واقعًا سوريًا مدعومًا. فهل يُعاقَب لبنان لأنه عاجز عن نزع سلاح حزب الله؟ وهل أصبح السلاح عائقًا أمام أي خطة إنقاذ دولية حقيقية؟
مشهد واحد… رسالتان مختلفتان
زيارة رئيس الجمهورية اللبنانية لمسقط رأسه في سن الفيل لم تكن لافتة بحد ذاتها، بل الصورة التي خرج بها منها: رئيس يتناول سندويش فلافل في مطعم شعبي. لقطةٌ عفوية لكنها تختصر المأساة – دولة مفلسة، وشعب جائع، ورئيس يشارك الناس لقمتهم من دون أن يكون قادرًا على تغيير مصيرهم.
في الوقت نفسه، كانت دمشق تبدأ بتلقي مساعدات دولية تحت عنوان “التعافي المبكر”، رغم فرض النظام سيطرته الأمنية على معظم الأراضي. صورة تتحدث عن معايير مزدوجة، أو عن رسالة سياسية دولية: إمّا السيطرة الكاملة… أو لا مساعدات.
لبنان بين شروط الإنقاذ وسقف السلاح
منذ بداية الانهيار في 2019، لم يحظَ لبنان بأي دعم مالي جدّي من المجتمع الدولي. فكل المساعدات مشروطة: إصلاح القضاء، ضبط الحدود، تقليص النفقات، ولكن الشرط غير المعلن يبقى الأهم: وضع حدّ لسلاح حزب الله.
من وجهة نظر الدول المانحة، لا يمكن إنقاذ دولة لا تملك قرارها السيادي، ولا تحتكر وحدها السلاح. حزب الله، بسلاحه وارتباطاته الإقليمية، يشكل “العقدة المركزية” في أي خطة إنقاذ، ويحوّل لبنان إلى ساحة صراع بدل أن يكون شريكًا موثوقًا.
مليارات سوريا: الأمن أولًا… والشرعية لاحقًا
بعكس لبنان، تتلقّى سوريا اليوم مليارات من الدول الغربية، ليس لأنها “أصلحت”، بل لأنها استطاعت فرض نوع من “الاستقرار الأمني”. النظام يُكافأ ضمن تسويات إقليمية ودولية، لأن أولويات العالم تغيّرت: لا حروب، لا لاجئين، لا مخدرات.
التعافي السوري مشروط بأمر واحد: الإمساك بالأرض. لا حديث عن ديمقراطية أو شفافية أو محاسبة. وهنا تظهر المفارقة: الأنظمة التي تحكم بالحديد والنار تُموَّل، بينما الدول التي لا تستطيع السيطرة على سلاح داخل أراضيها، تُعاقب.
الفلافل: وجبة الفقير… وشهادة الدولة الفاشلة
تحوّلت “سندويشة الفلافل” في لبنان من مجرد وجبة شعبية إلى صورة للواقع: فقر، تواضع، كرامة، ولكن أيضًا عجز وغياب حلول. رئيس الجمهورية يأكل مع الناس، ولكنّه لا يحلّ أزماتهم. الفلافل أصبحت رمزًا لبلد يعيش على الحافة، لا يسقط بالكامل، ولا ينهض.
في غياب الكهرباء، الدواء، والتعليم الرسمي، لم يبقَ للبنانيين سوى لقمة الفقير… وصورة يتناقلها الإعلام لعلّها تذكّر العالم بوجودهم.
الحلّ: سلاح الدولة أو لا دولة
المعادلة لم تعد تحتمل تأويلاً: لا مال بلا سيادة. لا مساعدات بلا قرار لبناني موحّد. والسؤال الذي يطرحه المجتمع الدولي اليوم بوضوح: من يحكم لبنان؟ الدولة… أم الحزب؟
من دون معالجة جدّية لمسألة سلاح حزب الله، لن يتغيّر شيء. المفاوضات مع صندوق النقد ستبقى عالقة، والدعم الخارجي سيبقى مستحيلًا. حتى مشاريع الميغاسنتر وانتخاب المغتربين لن تُقرّ، طالما أن قرار الحرب والسلم والاقتصاد ليس بيد مؤسسات الدولة الشرعية.
من يرفض تسليم السلاح… يرفض تسلّم الدولة
إذا كان رئيس الجمهورية يكتفي بالفلافل، فالشعب اللبناني لا يمكنه الاكتفاء بالصور الرمزية. يحتاج إلى كهرباء، إلى دواء، إلى أمل. وهذا الأمل لن يتحقق ما لم تُنتزع السيادة فعليًا من كل من يصادرها، سياسيًا أو عسكريًا.
لبنان لا يحتاج إلى مليارات مثل سوريا، بل إلى قرار واحد: استعادة الدولة لسلطة القرار والسلاح. فإما نكون دولة تستحق الدعم، أو فلافلنا ستبقى طعامًا أخيرًا… في وطن جائع.
اقرا ايضا: غبار الوساطات يتلاشى… ولبنان على تخوم العاصفة الإقليمية

