من الهلال الإسرائيلي إلى انكسار الطوق السني.. الأقليات دروع تل أبيب وحلم الخلاص العربي

السويداء

لم يكن غريبًا يومًا أن تسعى الأقليات في المشرق إلى الاحتماء بالخارج فالدولة الوطنية بصيغتها الطائفية أو الاستبدادية لم تكن يومًا مأوى عادلًا لهم.

لكن ما يجري اليوم ليس مجرد تقاطع مصالح ظرفي بل تشكُّل لهلال إسرائيلي جديد يمتد من صيدا إلى جبل العرب ومن جنوب سوريا إلى خاصرة لبنان ،يعيد تركيب الخريطة من زاوية أخرى -الأقليات التي تُقدِّم ولاءها مقابل شعور بالأمان، وإسرائيل التي تقدِّم الحماية مقابل اختراق الداخل العربي من خاصرته الطائفية الرخوة.

التحالف مع إسرائيل لم يعد خيانة في وعي بعض الهويات الصغيرة بل صار حكمة يبررها الخوف من السنّة،أولئك الذين يملكون العدد، لكنهم لا يملكون المشروع فأكثرية بلا هوية سياسية، بلا خطاب حضاري موحد، بلا قيادة قادرة على احتضان المختلف

لطالما أحسّت إسرائيل أنها في محيط معادٍ ديموغرافيًا أكثر من أربعمئة مليون عربي سنّي يحيطون بها، فيما لا يتجاوز عدد سكانها عشرة ملايين وقد أدركت منذ نشأتها أن ضمان البقاء لا يكون بمواجهة الأغلبية، بل بكسرها من داخلها لذلك أسست تحالفها الطبيعي مع الأقليات لا لأنها تشبهها عددًا، بل لأنها مثلها محكومة بالقلق والخوف. فكانت البداية مع بعض المسيحيين الموارنة في لبنان الذين رأوا في المشروع الصهيوني صمّام أمان ضد التمدد الإسلامي واليساري، واستُكملت بمحاولات فتح نوافذ مع بعض الشيعة على الحدود، مرورًا اليوم بتحالف غير معلن مع الدروز في السويداء، تحت راية حمايتهم من خطر العشائر السنية.

ما يجري اليوم ليس مجرد تقاطع مصالح ظرفي بل تشكُّل لهلال إسرائيلي جديد يمتد من صيدا إلى جبل العرب ومن جنوب سوريا إلى خاصرة لبنان ،يعيد تركيب الخريطة من زاوية أخرى

هذا الهلال لا يحتاج إلى جيوش يكفيه أن يبني ذهنيات سياسية أن يُقنع الدروز أن البدو السنّة حولهم مشاريع ذبح، وأن يُشعر المسيحي أن التغيير الديموغرافي السنّي خطر وجودي، وأن يُوهم الشيعي أن المشروع العربي السنّي خنجر في خاصرته. وعبر تلك الذهنيات، يصبح القصف الإسرائيلي على دمشق تحت عنوان حماية الدروز أمرًا مشروعًا في المخيال السياسي لبعض الطوائف وتصبح تل أبيب شريكة في ضبط إيقاع الداخل العربي لا عدوًا وجوديًا. وهكذا، من دون معاهدة سلام واحدة، تنجح إسرائيل في التحوّل إلى رأس رمح تحالف الأقليات في الشرق الأوسط.

إقرأ أيضا: مقتل شاب لبناني في السويداء.. ومخاوف من تداعيات حدودية وأمنية!

التحالف مع إسرائيل لم يعد خيانة في وعي بعض الهويات الصغيرة بل صار حكمة يبررها الخوف من السنّة،أولئك الذين يملكون العدد، لكنهم لا يملكون المشروع فأكثرية بلا هوية سياسية، بلا خطاب حضاري موحد، بلا قيادة قادرة على احتضان المختلف، تتحول إلى مجرّد فزّاعة يتم استثمارها إسرائيليًا وإيرانيًا في آن واحد ومع تحوّل السنّة إلى ساحات حرب أهلية دائمة  من العراق إلى سوريا إلى لبنان  يصبح من السهل تصويرهم كخطر وجودي على الجميع، ويصبح من الطبيعي أن تطلب الأقليات الحماية من تل أبيب بدل طلب الشراكة مع إخوتهم في الوطن.

إن ما يجري في السويداء اليوم ليس حادثًا عرضيًا إنه نتيجة حتمية لعقود من فشل النخب السنّية في إدارة التنوّع، وفشل الأقليات في الإيمان بأن مكانها الطبيعي هو في دولة العدالة، لا على هامش لعبة الأمم

في لحظة كهذه، يجب طرح السؤال الأخطر ماذا لو استفاقت هذه الأكثرية؟ ماذا لو قررت أن تتصرف كأكثرية مسؤولة، لا كأكثرية غوغائية؟ أن تخرج من وهم الغلبة، وتبني مشروعًا وطنيًا جامعًا، يقبل بالاختلاف ويحتوي الجميع؟ ماذا لو عادت مصر لتقود خطابًا عقلانيًا، وتبنّت السعودية خطابا موحدا واكتشفت تركيا أن الإمبراطورية انتهت وأنها جارة لا خليفة؟ ماذا لو نَشأ داخل هذه الأكثرية تيار حضاري غير مذهبي، يملك عقل الدولة لا لسان الثورة فقط؟ عندها فقط، سيسقط الهلال الإسرائيلي وسينكمش الهلال الشيعي، وسيتحوّل كل تحالف طائفي إلى مجرد ذكرى مرتبكة في كتب التاريخ.

الهلال الإسرائيلي ليس خرافة، بل واقع سياسي يتشكل بهدوء في غياب الأكثرية وإذا لم تفهم الأغلبية السنّية أن معركتها ليست دينية ولا مذهبية، بل معركة هوية وطنية عادلة

إن ما يجري في السويداء اليوم ليس حادثًا عرضيًا إنه نتيجة حتمية لعقود من فشل النخب السنّية في إدارة التنوّع، وفشل الأقليات في الإيمان بأن مكانها الطبيعي هو في دولة العدالة، لا على هامش لعبة الأمم،إنه التقاء بين طائفة تشعر بالخذلان، وعدوّ يعرف كيف يُقدّم نفسه كحامٍ من الخطر السنّي فيغدو القصف الإسرائيلي مغطّى بالدموع الدرزية، وتُصبح الهوية الوطنية نكتة سمجة في مهرجان القتل الطائفي.

إقرأ أيضا: السويداء واختبار الدولة الصعب

الهلال الإسرائيلي ليس خرافة، بل واقع سياسي يتشكل بهدوء في غياب الأكثرية وإذا لم تفهم الأغلبية السنّية أن معركتها ليست دينية ولا مذهبية، بل معركة هوية وطنية عادلة، فإنّ خريطة المنطقة ستُعاد رسمها لا بالحروب، بل بتكتيكات الخوف والتحالفات الطائفية الذكية فالدول لا تسقط بالقنابل فقط، بل بالخذلان الداخلي.

إن سقوط هذا الهلال يبدأ من لحظة اعتراف السنّة بمسؤوليتهم التاريخية عن هذا الفراغ، لا من شتم الأقليات ولا من لعنة إسرائيل يبدأ من إعادة تعريف الذات، من تقديم نموذج عادل، لا مهزوم ولا متعجرف،يبدأ من دولة لا يطلب فيها المسيحي حماية غربية، ولا العلوي رعاية روسية، ولا الشيعي وصاية إيرانية، ولا الدرزي ممرًا إلى تل أبيب فقط عندها، تسقط كل الهلالات.

السابق
مقتل شاب لبناني في السويداء.. ومخاوف من تداعيات حدودية وأمنية!
التالي
سورية بين  شرعين