توحي أحداث السويداء الأخيرة بأن سوريا محكومة بتكرار أبدي للأنظمة السياسية المتعاقبة التي تنجح في استلام السلطة وتثبيتها بأقسى أساليب القمع والإقصاء والخداع الايديولوجي، لكنها تفشل دائماً في بناء الدولة وترسيخها.
الفرق بين الأمرين، أن السلطة تقصد ذاتها دائما، هي كائن جزئي يعمد بنحو مصطنع إلى ادعاء كليته رغم شخصنته الفاقعة، مقفل على نفسه يأخذ ولا يعطي، يضع بين يديه كل أدوات القوة ووسائل الإقناع المزيف منه والحقيقي، يتلاعب بالقيم ويماهيها بسياساته المتبعة، يتعالى بنزاهة وقداسة شخص الحاكم إلى حد العصمة وحتى التأليه المبطن، لا يمانع من تشتيت المجتمع وتفكيكه وحتى خلق صراعات بين مكوناته ليضمن بقاءه، علاقته بالمجتمع علاقة زبائنية: عقاب وعزل ومحاصرة لمن يعارض، وإغداق المنافع للتابعين. في نهاية الأمر أساس السلطة هي الغلبة، تقتصر دائرة المستفيدين فيها على نخبة الحكام وحلقة الموالين والمرائين.
مسؤولية النظام السوري الحالي برئاسة أحمد الشرع، كان وما يزال، ليس في بقاء سوريا داخل دوامة الاحتفاظ بالسلطة وفرض هيبتها، بل قطع هذا المسار الدموي والإنتقال إلى مشروع الدولة
أما الدولة فكائن كلي ذو طابع مؤسساتي، تقوم على الفصل بين الشخص الطبيعي للحكام والتصور المجرد للقوة، لغرض ضمان استمرارية الدولة رغم تعاقب الحكام القابلين لأن يجسدوها وقتياً. وتقوم على أنظمة قانونية عامة غير مشخصنة، يجعل التعسف المزاجي في تطبيق القانون مستبعداً بالكامل على كل مستويات البناء التسلسلي للدولة.
إقرأ أيضا: أحمد الشرع وتحدي توحيد سوريا بين الداخل المليشيوي والتدخل الخارجي
فلا تعود السلطة امتيازاً شخصياً، ولا تعود الصفات الفردية للحاكم تبرر طغيانه وتعسفه، ولا يعود الحاكم يغرف من الموارد العامة كما لو كان يأخذ من جيبه الخاص. باختصار السلطة ملك خاص ومادة قهر وغلبة، والدولة جهاز عام غير منحاز لأية هوية أو معتقد أو مكون خاص، تتوزع عوائده على الجميع بنحو منصف.
مسؤولية النظام السوري الحالي برئاسة أحمد الشرع، كان وما يزال، ليس في بقاء سوريا داخل دوامة الاحتفاظ بالسلطة وفرض هيبتها، بل قطع هذا المسار الدموي والإنتقال إلى مشروع الدولة، أي إنشاء الكيان العمومي الذي تكون فيه جميع مكوناته المتعددة عناصر جوهرية فيه، ويكون الفرد المواطن النواة الأولى لأي نظام سياسي.
لا شيء يسوغ بشاعة ما جرى في الساحل السوري والسويداء. بل تشكل أحداث السويداء الأخيرة محطة اختبار ولحظة مفصلية في الدفع باتجاه الدولة التي تجمع بين احتكار القهر الذي يحول دون تفتيت الدولة وتشظيها
هذا لا يكون، حين يتأسس النظام السياسي على عقيدة دينية خاصة، أو عصبية مذهبية، أو سردية تاريخية في غاية الخصوصية والضيق. فهذه جميعها تنافي عمومية الدولة وحقيقتها، كونها تنحاز إلى مكون جزئي وتقصي باقي المكونات عن سير الحياة العامة، بل تعتبرها طارئة أو دخيلة، وتكون العلاقة معها علاقة غلبة وإخضاع، لا علاقة تعاقد ووضعية شراكة.
لا شك أن النظام الحالي خطا خطوات كبيرة باتجاه محو آثار النظام السابق وتصويب الوجهة نحو بناء الدولة، سواء أكان على مستوى انتزاع شرعية دولية أو جذب رعاية عربية عميقة أو عدم الانجرار إلى مواجهات إقليمية لصالح النهضة الداخلية. لكن التحدي الأكبر هو في تضييق الفجوة بين مضامين ما يصرح به أحمد الشرع ورموز السلطة من جهة وبين ذهنية وسلوك قوى السلطة التي ما تزال أسيرة مسبقات تقع على النقيض من مفهوم الدولة وموجباتها من جهة أخرى. فأسلمة الحياة العامة ما تزال ناشطة، ومحاصرة الحريات والتضييق عليها مستمرين، وتمجيد رمز السلطة وتلفيق الأساطير حولها فاعلين بقوة، ومظاهر القتل التي تقترب لتكون جرائم إبادة وتندرج ضمن الجرائم ضد الإنسانية ما تزال منتشرة وتمارس بحرية وعلنية قبيحة.
لا شيء يسوغ بشاعة ما جرى في الساحل السوري والسويداء. بل تشكل أحداث السويداء الأخيرة محطة اختبار ولحظة مفصلية في الدفع باتجاه الدولة التي تجمع بين احتكار القهر الذي يحول دون تفتيت الدولة وتشظيها لتكون صاحبة اليد العليا في كل تدبير عام من جهة، وبين صفة العموم (Public) الذي يحول دون انحيازها إلى طرف أو تحويلها قوة غلبة تحتكرها عقيدة دينية أو عصبية مخصوصة من جهة أخرى. أي احتكار الدولة للقوة للحؤول دون ان يحتكرها أحد.
إقرأ أيضا: هل يتسبب التقارب التركي-الإيراني بالحرب الاسرائيلية الثانية ضد «الحزب» ولبنان؟
بالمقابل فإن مشروع الدولة ليس قراراً تتخذه السلطة، بل هو ثمرة تحول تاريخي في ذهنية المجتمع ونقلة نوعية في معنى الهوية وحقيقة الذات الفردية والجمعية. فالدولة في مسبقاتها القيمية والعقلية، لا يمكنها التواجد مع خصوصيات متضخمة أو مغلقة لا يجد الفرد خارجها فسحة أمان أو أطر علاقات منتجة، ولا يمكنها البقاء حين يزج بها داخل دوار أزلي لإثبات الاقوى وصراع العصبيات وصدام السرديات الخاصة، وتنافس ادعاءات الأحقية.
إن مشروع الدولة ليس قراراً تتخذه السلطة، بل هو ثمرة تحول تاريخي في ذهنية المجتمع ونقلة نوعية في معنى الهوية وحقيقة الذات الفردية والجمعية
مهما كانت الخلفيات السياسية لأحداث السويداء وبواعثها ومسبباتها المباشرة، فإن ما جرى ويجري فيها محطة اختبار حرجة ومصيرية لمستقبل الدولة في سوريا: بين نظام حكم جديد من جهة ما يزال متردداً في العبور من دولة السلطة إلى سلطة الدولة ومن دولة الدين والعقيدة إلى دين وعقيدة الدولة، رغم توفر جميع الظروف الدولية والعربية وحتى الاقتصادية لتحقيق ذلك. وبين مجتمع من جهة أخرى، ما يزال يتمسك بتاريخ بائد لا يقبل الصرف في الزمان الحديث، ويرى في عزلته وإقفالاته وتوتير عصبياته والدفع بها إلى ذراها المتوحشة عنصر بقاء ومصدر أمان وحماية لمكوناته وأفراده.
بناء الدولة ليس أقل من شق مسار تاريخ جديد يقطع بالكامل مع تاريخ ماض وراهن ما يزال يمنح المتغلب كامل شرعيته.

