لم يتنفّس السوريون الصعداء بعد، حتى بدأت بعض الأبواق المأجورة وأصوات النشاز، بالعزف على وتر الطائفية البغيضة والمذهبية الرخيصة، متنبئين بخطر ما أسموه الفتنة الشيعية – السنية، تارة عبر بث الرعب والخوف في نفوس الناس، محذرين من الخطر الداهم المقبل على بلاد الشام، مستشهدين ببعض الحوادث التي نشرت عبر مواقع التواصل الاجتماعي، والتي لا يمكن التقليل من خطورتها، لكنها لا تعدو أن تكون حوادث فردية، قد تحدث في أحسن الدول، ستعالجها الدولة الجديدة بعد أن تثبت أركانها، فارضة الأمن والأمان، وأخرى عبر ربط الأحداث الجارية ببعض العقائد الغيبية عند الشيعة، وثالثة من خلال التلويح بالأخطار المحدقة بالمراقد والمقامات الاسلامية، كمقام السيدة زينب (عليها السلام)، ومقام السيدة رقية (عليها السلام) وغيرها… وهذا ان دل على شيء فإنما يدل على :
إمّا علمهم المسبق بما سيجري عن طريق قنوات استخباراتية غربية أو إقليمية، وهو ما يتطلب مضافرة الجهود للحفاظ على ما حققه الأشقاء السوريون، والذي يعني سوريا بكامل أطيافها ومذاهبها، وهو ما اتفق عليه الشعب السوري.
وإمّا نتيجة جهلهم بحقيقة الشعب السوري الواعي والمنفتح، والمدرك لجميع تلك الأخطار والمعتدل في جميع عقائده واطروحاته، ما يشكل ضمانة لكل السوريين بل ودول الجوار.
وإمّا لجهلهم مكانة أهل البيت( عليهم السلام) في قلوب السوريين، بل وكل المسلمين، وحصرها في طائفة أو مذهب… وهذا لا يصح بل لا يجوز لأن أهل البيت (عليهم السلام)، هم بقية رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم)، ووصيته التي أوصى بها حيث قال (ص): “أُذكِّرُكم اللهَ في أهل بيتي، أذكِّركم الله في أهل بيتي، أذكِّركم الله في أهل بيت” (صحيح مسلم)، ومن المعروف العلاقة الروحانية العميقة بين المسلمين، وأهل البيت (عليهم السلام) وخاصة في سوريا، حيث شيّدت لهم المزارات والمقامات التي يحج إليها آلاف المسلمين، من جميع أنحاء سوريا.
كانت سوريا وستبقى، منارة العلم والفكر، والأدب والحضارة
لقد كانت سوريا وستبقى، منارة العلم والفكر، والأدب والحضارة، والتاريخ والتنوع والانفتاح، وهو ما جذب جهابذة العلم والفكر إليها، خاصة من علماء المذهب الشيعي، الذين وقفوا مواقف مشرفة بحقها وبحق شعبها، بل بحق كل المسلمين وكل العرب ومن هؤلاء العلماء:
الإمام السيد محسن الأمين العاملي (قده) الذي وقف سداً منيعاً، بوجه كل محاولات التفرقة وزرع الفتنة المذهبية.. منها:
1 – وقوفه ضد قانون الطوائف، الذي حاول من خلاله الفرنسيون تفريق الشعبين السوري واللبناني، على أسس طائفية بين شيعة وسنة حيث قال: “بصفتي المرجع الروحي للمسلمين الشيعة في سوريا وفي لبنان، أحتجُّ على هذا القانون، وأحتج على هذه التفرقة بين المسلمين، لأننا أمة واحدة وعلى دين واحد، فلا نسمح لكم بأن تفرقوا بين السنة والشيعة، لأننا في قضايانا الإسلامية نمثل فريقاً واحداً”. فاضطر الاحتلال الفرنسي إلى إلغاء هذا القانون.
2 – موقفه في الحفاظ على وحدة المسلمين، حيث رفض محاولة الفرنسيين تأسيس مجلس خاص للشيعة أوكلوا إليه قيادته، وكانت غايتهم من ذلك إيقاع الفتنة بين الشيعة والسنة، فرفض الأمين ذلك رفضاً قاطعاً، رغم المغريات الكبيرة التي قدموها له قائلا: “إنهم يريدون أن يكيدوا للإسلام والمسلمين بهذا النوع من التفريق، في الموقع الرسمي بين السنّة والشيعة، نحن مسلمون ولنا ما للمسلمين كلهم، وعلينا ما عليهم كلهم”.
لم ينفرد الإمام الأمين بهذا النهج، بل تبعه العديد من علماء ومفكري جبل عامل
لم ينفرد الإمام الأمين بهذا النهج، بل تبعه العديد من علماء ومفكري جبل عامل، أمثال المرجع الديني السيد محمد حسين فضل الله، والعلامة المفكر السيد محمد حسن الأمين، والعلامة السيد هاني فحص (رحمهم الله) والعلامة السيد علي الأمين والعلامة الشيخ محمد علي الحاج العاملي (حفظهما الله).
وهنا لا بد من الإشارة إلى البيان الذي أصدره السيدين محمد حسن الأمين وهاني فحص (رحمهما الله) عام ٢٠١٢، الذين بيّنا خلاله أن ما يجري في سوريا لا علاقة للشيعه به ولا للطائفة الشيعية، وليست حرب الشيعة ضد السنة… مؤكدين مناصرتهما لثورة الشعب السوري.. “لأن من أهم ضمانات سلام مستقبلنا في لبنان، أن تكون سوريا مستقرة وحرة، تحكمها دولة ديموقراطية تعددية وجامعة عصرية”…
لقد آمن السيد محسن الأمين (رحمه الله) بكل المكونات السورية، وعمل جاهداً على رفض التقسيم والتفرقة فيما بينهم، ونبذ الطائفية والمذهبية والتعصب منطلقاً بهم باسم الاسلام (دين الله) دين المحبة والرحمة ومكارم الأخلاق … دين الحرية والانسانية والاعتدال… حتى دحر الانتداب الفرنسي واعلان الاستقلال.
آمن السيد محسن الأمين (رحمه الله) بكل المكونات السورية، وعمل جاهداً على رفض التقسيم والتفرقة فيما بينهم
وهذا ما نحتاجه اليوم… فتعالوا أيها الأحبة.. أيها السوريون واللبنانيون… جميعاً لنجسّد بأفعالنا فكر الامام الأمين (قده)، ولنرفض أي شكل من أشكال التقسيم والتفرقة والتكفير والإلغاء، فما السنة والشيعة إلا ديناً واحداً، قسّمه السياسيّون لأهدافهم الشيطانية الخاصة، وهنا نستذكر جملته المشهورة: “ظل الشيعة والسنة يتجادلون ويتقاتلون حتى صار خليفتهم المندوب السامي الفرنسي”. علّنا نتّقي شر انتداب جديد وخليفة -مندوب سامي- جديد.

