لطالما وددت تصويب بوصلة النقاش حول الإقطاع الشيعي وإعادت عقاربه إلى منطق الأمور بعيدا عن التسخيفات والتسطيحات اليسارية الفاشلة:
في حين أنه من الصحيح أن النظام الإقطاعي في لبنان ككل قبل الحرب الأهلية كان يتميز بعدم المساواة، وخاصة في حالة السكان الشيعة المسلمين، فمن الضروري أن ندرك أن الحكم والهياكل المجتمعية تتطور مع الوقت، وتتشكل حسب السياقات التاريخية.
كان النظام الإقطاعي نتاجًا لعصره، حيث كان يعمل تحت هياكل قيادية تقليدية كانت فيه العائلات مثل آل حبيش والخازن والدويهي وفرنجية والصلح والخير والمرعبي والعلي والعماد وجنبولاط وإرسلان والأسعد وحمادة والخليل وعسيران والزين وغيرهم ،تمارس النفوذ وتتحكم بالحركة اليومية لمئات آلاف العامة على كافة مساحة الوطن، ولكن غالبًا ما حافظت تلك العائلات على النظام الاجتماعي والعشائري ضمن ضوابط متعارف عليها عمادها المسؤولية المجتمعية وخير المجتمع ككل.
كانت كل عائلة مسؤولة عن منطقة جغرافية محددة تقوم بإدارتها من خلال الدولة المركزية التي كانت توزع على تلك العائلات الإمتيازات والموارد
وكانت كل عائلة مسؤولة عن منطقة جغرافية محددة تقوم بإدارتها من خلال الدولة المركزية التي كانت توزع على تلك العائلات الإمتيازات والموارد. كان كل ذلك من مخلفات التركة العثمانية الثقيلة والتي لا زالت بلدانا عدة ترزح تحت وطأتها.
ولم تكن تلك الإقطاعات وأولئك الإقطاعيين مختلفين كثيرا عن الدوقيات الإوروبية التي تجمعت لاحقا فيما بينها، بإرادتها أو غصبا عنها، وتحولت إلى بلدان مستقلة لها أنظمتها الخاصة بها.
والشيء نفسه حدث في لبنان مع الحركة التصحيحية الشهابية التي نجحت في تقليص نفوذ الإقطاع اللبناني إلى حدود معينة لكنها لم تنجح أبدا في القضاء التام عليه.
ساهم الشتات الشيعي في ترسيخ الرخاء الاقتصادي في بعض المناطق والقرى المهملة. ومع ذلك، لم يسفر هذا التحول عن نظام حكم وأمن إجتماعي أفضل للسكان الشيعة في لبنان
لا شك أن فترة ما بعد الإقطاع الشيعي تحديدا، ومع صعود الحركات اليسارية والقومية العربية، جلبت فرصًا تعليمية ومالية وإدارية لتلك المجتمعات والمناطق المهمشة سابقًا. وقد سمحت المنح الدراسية التي قدمها الاتحاد السوفييتي والكتلة الشرقية للشباب الشيعي بالهروب من قيود نظامهم التعليمي المحلي. كما ساهم الشتات الشيعي في ترسيخ الرخاء الاقتصادي في بعض المناطق والقرى المهملة. ومع ذلك، لم يسفر هذا التحول عن نظام حكم وأمن إجتماعي أفضل للسكان الشيعة في لبنان.
يعكس النظام السياسي اليوم، الذي تهيمن عليه الفصائل التي نشأت عن الحركات التقدمية المزعومة، نفس مشاكل الماضي ولكن في شكل أكثر رسوخًا وفسادًا. لقد ترسخت أقدام الإقطاعي نبيه بريّ مثلا الذي وعد ذات يوم بالمساواة والتقدم لكل الشيعة، مستفيدا من شبكات المحسوبية والسمسرة والإستزلام إلى الخارج التي بناها مع آخرين وعمّدوها بالدم والحديد والنار والترغيب والترهيب، وبطرق حقيرة لم نعهدها أبدا مع “لوردات” العهود السابقة من الإقطاعيين الذين سعى هؤلاء النوفوريش والنيوبرجوا إلى استبدالهم وتشويه تاريخهم بكل ما أوتوا من قوة وتسلط وغيّ وحقد.
يعكس النظام السياسي اليوم، الذي تهيمن عليه الفصائل التي نشأت عن الحركات التقدمية المزعومة، نفس مشاكل الماضي ولكن في شكل أكثر رسوخًا وفسادًا
وعمل ولا زال يعمل نظام بريّ-حزب الله الإقطاعي الجديد، تحت ستار التحرير السياسي والإقتصادي والاجتماعي، على إدامة الجمود السياسي وتفاقم المعاناة الاقتصادية وشل البلاد والعباد من خلال منظومة الزبائنية المتعددة المستويات، حيث يعطي “الزعماء” الأولوية لمصالحهم الشخصية والفئوية والحزبية على حساب الإستقرار الوطني والحماية الإقتصادية والإجتماعية والحريات الشخصية والفكرية.
ففي حين كان ضعف ووهن الإقطاع السياسي لحظة مهمة للتغيير الإيجابي،
لا يمكن اعتبار ما حدث بعده نجاحاً لا لبس فيه، نظراً لنتيجة الواقع المرير الذي نشهده اليوم. فاليوم يجد المواطون الشيعة، بعد أن اكتسب أبناءهم شهادات الكتلة الشرقية التي كانت تباع برطل بقلاوة هنا أو قنينة ويسكي هناك، وجنى العديد منهم الفوائد المعنوية والاقتصادية، أنفسهم محاصرين تحت شكل جديد من أشكال الهيمنة السياسية والنحر الجماعي الممنهج من قِبَل أولئك الذين قاموا ولا زالوا يقومون بممارسات سيطرة وإستغلال وكذب ونفاق وقتل وتدمير حيوات والتسبب المباشر بمحو مدن وقرى بأكملها.
ختاما، أقول لكل من يعتقد أن الإقطاع الشيعي الجديد أفضل من سابقه هنيئا لكم إقطاعيّكم الجدد وانشالله يتربى أولادكم في عزّهم وليصهلوا (حتى لا أقول ينهقوا) بإسمهم ليل نهار.

