فادي شامية: عندما يكون انتظار الرد أقوى من الرد

فادي شامية

كتب د.فادي شامية عبر حسابه على “فايسبوك”:

“أخيراً؛ نفّذ “حزب الله” رده الموعود على اغتيال قائده العسكري في 30/7/2024، “في يوم أربعينية الإمام الحسين..، عند فجر الأحد الواقع في 25 آب 2024.. بعدد كبير من ‏المسيرات نحو العمق الصهيوني واتجاه هدف عسكري إسرائيلي نوعي سيعلن عنه لاحقاً، وبالتزامن مع ‏استهداف مجاهدي المقاومة الإسلامية لعدد من مواقع وثكنات العدو ومنصات القبة الحديدية في شمال ‏فلسطين المحتلة بعدد كبير من الصواريخ”.‏

وقد حمل الرد وما تلاه جملة مفارقات لافتة:
أولا- بعد اغتيال القائد فؤاد شكر؛ أناط “حزب الله” قرار الرد إلى المستوى العسكري؛ فوفقا لكلام نصر الله حينها “بيننا وبينكم… الميدان والأيام والليالي”، ولكن وفقا لبيان الحزب بعد الهجوم؛ فقد اختير يوم أربعينية الإمام الحسين موعدا للرد، ما يعني أن التوقيت كان مرتبطا بقرار سياسي لا بمعطى ميداني. طبيعة الرد تعضد ذلك؛ فما نفذه الحزب لم يكن هدفا ينتظر القادة الميدانيون “تصيّده”، وإنما كان هجوما بالصواريخ والمسيرات يمكن تنفيذه قبل ذلك التاريخ أو بعده. نصر الله نفسه أكد ذلك في الخطاب الذي تلا الرد: “كُنا جاهزين بعد تشييع السيد محسن.. وبالحقيقة نحن تريثنا”.

ثانيا- توعَّد الحزب “إسرائيل” برد “قاس وحاسم”، فوفقا لنصر الله “الإسرائيليون لا يعرفون أي خطوط حمر تجاوزوا، ونحن في كل جبهات الإسناد دخلنا مرحلة جديدة.. افرحوا واضحكوا قليلا وستبكون كثيرا”، لكن حجم الرد وطبيعته لا تتناسب مع هذا الوعيد، ليس لأن الأضرار البشرية – وربما المادية- ضعيفة، ولكن الأهم أن الرد لم يخرج عن قاعدة الصواريخ والمسيرات التي كانت سائدة قبل اغتيال شكر، في حين أن الإسرائيلي انتقل من مرحلة الاستهدافات الميدانية إلى استهداف المستوى الأول من القادة وفي الضاحية الجنوبية بالذات، وصولا إلى استهداف مخازن السلاح في عموم الأراضي اللبنانية. وعليه؛ لم يستطع الحزب – حتى الآن على الأقل- الانتقال إلى معادلة استهداف شخصيات مقابل شخصيات لتحقيق مستوى أعلى من الردع. أكثر من ذلك؛ فإن “سردية” الحزب عن استهداف القواعد العسكرية، وعبور كل الصواريخ والمسيرات بنجاح تفتقر إلى الدليل، في مقابل “سردية” العدو الذي أعلن تدمير كل الصواريخ والمسيرات، ؛ إذ يصعب على القيادة العسكرية أن تخفي الأضرار -ومن باب أولى الخسائر البشرية- في القواعد العسكرية المستهدفة، في الوقت الذي تعلو فيه الأصوات المعارضة في “إسرائيل” لانتقاد وكشف كل شيء. ولعل نصر الله تنبه إلى هذا الأمر بقوله: “إذا كانت النتيجة مرضية وتُحقق الهدف المقصود، فنحن نعتبر أن عملية الرد قد تمت، وإذا لم تكن النتيجة في نظرنا كافية فسنحتفظ حالياً لأنفسنا بِحق الرد حتى وقت آخر”.

ثالثا- اعتبارا من الساعات الأولى؛ لصبيحة يوم الأحد شن سلاح الطيران الإسرائيلي عشرات الغارات على الجنوب. وفقاً للعدو فقد كانت “هجوما استباقيا”، بعدما “قدّر الجيش الإسرائيلي موعد الهجوم في وقت مبكر من صباح اليوم” وفقا لنيورك تايمز، و”أنه كان يستهدف قاعدة غليلوت التي تضم مقر الموساد والوحدة 8200″، وفقا ليديعوت أحرونوت، ووصلت المبالغة بالقناة 12 نقلًا عن مصادر أمنية، أن الضربة الاستباقية أحبطت نحو 6000 صاروخ ومسيّرة كان مقررًا إطلاقها على إسرائيل”. بالمقابل نفى الحزب إحباط الهجوم، مشيراً إلى أن العدو استجاب لـ “هجوم تضليلي” وفقا لتصريح مصدر في الحزب للتلفزيون العربي.

وبغض النظر عن نجاح الهجوم أو إحباط الهدف الأهم منه، فإن “الاستجابة” قبل وقت تنفيذ الهجمات؛ سواء تضليلية أو رئيسية، يبقى لافتاً جدا، ما يشير مرة جديدة – وبالحد الأدنى – إلى قوة الرصد الإسرائيلي. في إطلالته المسائية أقر نصر الله؛ “أنه نعم العدو قبل نصف ساعة من توقيت عمليتنا بدأ بالغارات في الجنوب”.

رابعا- وفقا لبيان “حزب الله” فإن “الهجوم –تم- بعدد كبير من ‏المسيرات نحو العمق الصهيوني وباتجاه هدف عسكري إسرائيلي نوعي سيعلن عنه لاحقا”، وفي وقت لاحق أعلن الحزب أن أمينه العام سيتحدث عن الهجوم مساء، للكشف عن “الهدف النوعي”، الذي تبين أنه نفسه الهدف الذي سبق أن أعلن الجانب الإسرائيلي أن الحزب كان يريد استهدافه؛ أي قاعدة غليلوت، علما أن الإعلام القريب من الحزب راح يروج – قبل خطاب الأمين العام- لاستهداف زورق حربي من نوع “دفورا”، الأمر الذي لم يأت نصر الله على ذكره.

خامسا- تتويجا لما سبق؛ ثمة “رسالة معكوسة” حملها الإعلام. “عملياتنا انتهت والأمر يعود لحزب الله”، لكأن “إسرائيل” هي التي هاجمت وضربت هدفا ثمينا في لبنان، لا العكس، إذ المنطق في الأحوال المشابهة أن يُصدِر الطرف الذي توعد بالهجوم ونفذه بيانا يعلن فيه انتهاء عملياته ما لم يقم الطرف الآخر برد على رده، ولعل التفسير المنطقي لذلك أن “إسرائيل” ارتاحت من عبء انتظار الرد والكلفة والشلل الذي أدى إليه، وتلقفت هجوما كلفته أقل، وأقفلت الملف.

وعليه؛ يستتبع ما سبق؛ وخصوصا إعلان انتهاء العمليات، وإعلان نتنياهو بالذات أننا “أحبطنا التهديد ودمرنا آلاف الصواريخ الموجهة إلى شمال إسرائيل”، وإعلان نصر الله بالمقابل أن “عمليتنا العسكرية اليوم أنجزت كما خُططت بدقة”.. أن القلقين من انفجار الوضع سيرتاحون عقب هذه الجولة، بسبب اقتصار الأمر على هذا الحد وإعلان كل فريق نجاحه، الأمر الذي أعلنه نصر الله تماما “بالمرحلة الحالية البلد يستطيع أن يأخذ نفس والعدو أعلن، -وإن كُنا لا نأمن من غدره-، أن ما جرى اليوم انتهى”.

السابق
اغتيال شكر.. هكذا علق جنبلاط على رد «الحزب»
التالي
تبادل عمليات محدود بين إسرائيل والحزب.. وجرحى مدنيين في المجادل