كلما اشتدت المواجهة الميدانية واتسعت بين “حزب الله” وإسرائيل على الجبهة الجنوبية، كلما تأكدت سهولة الانجرار إلى حرب شاملة بين الطرفين، خارج أية قيود جغرافية، وخالية من أية ضوابط أو محرمات مسبقة، ولا سقف فيها لأي نوع سلاح مدمر متوفر عند الطرفين. ما يعني أن المواجهة، التي من المفترض أن تكون معارك جانبية، ومواجهة إشغال وتخفيف ضغط عن غزة المحاصرة، باتت مرشحة بقوة أن تصبح حرباً أصيلة مقصودة لذاتها، تحيل حرب غزة مشهداً عرضيا وهامشياً، بالقياس إلى خطورتها وشراستها.
هي جبهة تجر لبنان كله إليها، وتجعله شريكاً فيها، مع فارق أن شراكته ناقصة أو منتقصة، بسبب أنها تسير باتجاه واحد. فلبنان، بشعبه ومؤسساته الرسمية والخاصة، يتحمل كامل تبعات هذه المواجهة وآثارها، من دون أن يشارك في سيرها وقرارها وتطوراتها وإيقاعها، التي يحتكر “حزب الله” قرارها بالكامل، وينسب إليه حصراً ادعاءات الانتصار والاقتدار فيها. هي مفارقة لا تجدها في الطرف الآخر، أي العدو الإسرئيلي، الذي يتعامل معه الجميع، كياناً موحداً رغم تناقضاته وتبايناته الداخلية، وتمر قرارات الحرب والسلم فيه عبر قناة واحدة وحصرية فقط، هي قناة الدولة والحكومة المنتخبة.
مفارقات هذه المواجهة تطرح من جانبنا أسئلة، لا حول جدوى المواجهة أو مشروعيتها، فلهذا كلام آخر، وإنما حول الشروط المفترضة، لتكون المواجهة فعالة وذات نتائج ملموسة. أي شروط إمكان المواجهة المثمرة والحرب الناجحة. هي أسئلة تسبق الكلام عن جهوزية القوى المقاتلة وكفايتها العسكرية، وإصرارها المعنوي وعقيدتها القتالية، وتتعلق بالدرجة الأولى بالوضعية البنيوية والأرضية، التي تؤخذ على أساسها القرارات، وتدار وفقها المعارك ويتحدد إيقاعها: سعة وضيقاً، صعوداً وهبوطاً.
يحولها إلى حرب “حزب الله” وحده ضد إسرائيل، لا حرب أو مواجهة لبنان كله ضد إسرائيل
هي أسئلة تتعلق بوضعيات وترتيبات، تتجاوز قدرات “حزب الله” القتالية وإقدامه العسكري. فالجهوزية الميدانية جزء من مشهد المواجهة، ولكنه لا يستوفي كامل الشروط المطلوبة، لمعركة مثمرة وحرب ناجحة ضد إسرائيل. أما الأجزاء الأخرى، فهي بمثابة الخلفية والشرط المسبق، والأساس البنيوي لأي عمل عسكري وخطط قتال ميدانية، هي جميعاً النصف الآخر الضروري والملح، الذي ما يزال “حزب الله” يصر على تجاهله أو تهميشه والتقليل من شأنه. ويكتف باستعراض قدراته، وكفايته الكاملة في إدارة المعركة، ليحرص على تفرده في إدارة المعركة، لا على المستوى العسكري فحسب، وإنما على المستوى السياسي والإقليمي والدولي. ليحولها إلى حرب “حزب الله” وحده ضد إسرائيل، لا حرب أو مواجهة لبنان كله ضد إسرائيل.
الحرب مفهوم سياسي قبل أن تكون مفهوماً عسكرياً
حين ندرك أن المعركة تدور فوق أرض لشعب ودولة، فإن هنالك مكونات مغيبة في معادلة المواجهة، إما غياب طوعي أو تغييب قسري. الأمر الذي يحولها إلى حرب عرجاء، أو تقوم على ساق واحدة، ويشكل خللا في سير المعركة وتفاعلاتها وتطوراتها، بسبب غياب العديد من العناصر الجوهرية، التي يؤمن لها شروط النجاح وجني الثمار السياسية والدولية. فالحرب مفهوم سياسي قبل أن تكون مفهوماً عسكرياً، هي ترتيبات ووضعيات مسبقة لا بد من توفرها، وتشكل لا عنصر إمداد وإسناد للقتال فحسب، بل تدخل في صلب وصميم خطط وسياسة المواجهة. لهذا يعرف المُنظر البروسي كلاوزفيتز الحرب بأنها: “عمليات مستمرة من العلاقات السياسية، ولكنها تقوم على وسائل مختلفة”.
فالهدف من الحرب، هو إعادة تنظيم الجغرافيا السياسية، للحصول على نتائج مرجوة ومصممة بشكل ذاتي. ما يعني أن الحرب ليست مجرد إثبات اقتدار وطاقة صمود حزب، أو تنظيم معين إزاء العدو، او استعداد لبذل المال والأنفس، فهذا، رغم قيمته المعنوية، أضعف وأدنى النتائج المرجوة من الحرب. بل لا بد أن تكون غايات الحرب أوسع وأشمل، ولن تكون كذلك، إلا حين يتخلى مشهد المواجهة عن وضعيته المجزأة والمختزلة، ليستعيد صورته الكلية والشاملة، أي حرب دولة لشعب بأكمله ضد دولة أخرى لشعب آخر، لا حرب حزب أو تكتل تنظيمات أو مكون اجتماعي خاص ضد دولة عدوة.
كيف تنتقل المواجهة القائمة في الجنوب اللبناني، من أن تكون مواجهة حزب ينتمي إلى محور، إلى أن تكون مواجهة لبنان كله دولة وشعباً
المواجهة التي تحصل في لبنان، بمسارها المتدحرج والقابل الخروج عن السيطرة، مع افتقادها لكثير من مقومات وأرضية الحرب الناجحة، تفرض استعادة الأسئلة المغيبة أو المصادرة، أو حتى الممنوعة من التفكير في أكثر الأحيان. هي أسئلة تتمحور حول سؤال مركزي: كيف تنتقل المواجهة القائمة في الجنوب اللبناني، من أن تكون مواجهة حزب ينتمي إلى محور، إلى أن تكون مواجهة لبنان كله دولة وشعباً. هو سؤال على بساطة تعبيره، يحرك ويثير جملة أسئلة دفنت ويراد لها أن تبقى مطمورة، لكن تغييبها من التداول أو النقاش، لن يغيب جديتها وخطورتها، بل تغييب للعقل عن إدراكها، أو التظاهر بأنها مسائل ثانوية وتصويرها على أنها هامشية، أي خلق وتعميم وعي وفهم مزيف حولها، يتسبب بارتدادات مخلة في سير المعارك واستراتيجيات المواجهة.
أن يشارك كل لبنان، يعني ان تعالج، بجدية وشفافية، مشكلة السلاح الموجود خارج الدولة، والتفرد بفتح الجبهة وإدارة المعارك من دون علم أو قرار الدولة. هو سؤال يتمحور حول المشروعية وإشكالية سيادة الدولة، التي (أي السيادة) لا تقتصر على دفع العدو الخارجي، بل تشمل أيضاً، الحق الحصري بامتلاك وممارسة كل وسائل الإكراه المشروع بما فيها السلاح. فالاعتداء على السيادة قد يكون من قبل عدو خارجي، وقد يكون داخلياً حين ينتزع مكون خاص أو جزئي، مهمة أساسية وجوهرية من الدولة، وهي قرار الحرب والسلم. هي مشكلة نجح “حزب الله” في تغييبها وحجبها عن التداول، بحكم فائض القوة لديه، لكنه لم ينجح في معالجتها أو إظهار الاستعداد في بحثها ونقاشها. بل تسبب في تخلي الدولة الطوعي عن حق الحرب والسلم، وتحويل احتكار “حزب الله” لهذا الحق، بديهة ومسلمة أولى تحكم قواعد اللعبة السياسية في لبنان، وسمة ثابتة لمبادىء الإنتظام السياسي العام، وهي سمة السيادة المنتقصة والمفتتة.
أن يشارك كل لبنان في المواجهة، يعني أن لا يكون هنالك جزء من المجتمع اللبناني معني بالمواجهة، وجزء آخر متفرج أو غير مبال. جزء يقرر ويخطط وينفذ، وجزء آخر لا يشارك في قرار المواجهة، وعليه فقط تلقي وقبول الآثار والارتدادات السلبية. جزء يستثمر لنفسه مكاسب المواجهة، ويدعيها خالصة له، وجزء يتحمل تبعاتها السلبية ولا يستفيد من إنجازاتها، لأنه خارج حلقة صُناعها ومنفذيها. جزء يستثمرها في الداخل ،بطريقة تخل بموازين القوى، وجزء يتخوف من نجاحاتها ويقلق من أوجه توظيفها السياسي. إنه سؤال الإجماع الوطني حول موضوع الحرب والسلم، وكيفية توليده وخلق قنوات نقاش عمومي حوله، ليكون بالإمكان تأسيس قناعة عامة وتوافق مشترك، يشكلان أرضية مجتمعية صلبة وواسعة لأي عمل عسكري أو قتالي.
أن يشارك كل لبنان في المواجهة، يعني أن لا تكون دوافعها القتالية، قائمة حصراً على عقيدة تعبئة دينية خاصة
أن يشارك كل لبنان في المواجهة، يعني أن لا تكون دوافعها القتالية، قائمة حصراً على عقيدة تعبئة دينية خاصة. عقيدة تعني كل شيء لطرف مذهبي، لكنها غير مفهومة عند الأطراف الآخرى، ولا تشكل لديهم دافعاً أو منطلقاً للدخول فيها. هذا لا يعني إسقاط البعد الغيبي عن الوازع القتالي، لكن لا بد لكل وازع ديني، أن يتأطر بإطار عقيدة وطنية جامعة، بحيث يكون الغيب الديني، محفزاً باطنياً لكل فرد بحسب خصوصيته الدينية، وتكون العقيدة الوطنية بمثابة الحاضن والمحفز لكل لبناني في أن، يكون جزء فاعلاً ومشاركاً في أي مشروع مواجهة، والضامن لعدم تضخم الهويات الخاصة على حساب الهوية العامة.
أن يشارك كل لبنان، يعني استحضار جميع العناصر المطلوبة والفاعلة في سير المواجهة. فالحرب ليست فعل سجال قتالي، بل معادلة شديدة الحساسية والتعقيد، متصلة بالأمن الاقتصادي والتماسك الاجتماعي، وتوفير البنى التحتية لظروف قتال طويلة وشديدة الوطأة. فالجهوزية ليست جهوزية مقاتلين فحسب، بل جهوزية وطن وشعب بأكمله، وما يحصل خلف الجبهة وخطوطها الخلفية، بنفس أهمية الجبهة نفسها وربما أكثر.
الحرب ليست مجرد صور قتال بطولية ومشاهد ملحمية، بل رؤية كلية تشبك بإبداع وابتكار، جميع العناصر المؤثرة والفاعلة
فالحرب ليست مجرد صور قتال بطولية ومشاهد ملحمية، بل رؤية كلية تشبك بإبداع وابتكار، جميع العناصر المؤثرة والفاعلة، وتحرص على عدم إهمال أي منها، أو التقليل من أهمية أحدها أو بعضها.
أن يشارك كل لبنان، يعني أن يكون لبنان هو الطرف الوحيد، الذي يستثمر هذه المواجهة، وتكون حسابات الربح والخسارة، مستندة إلى ظروفه وخصوصيته الاجتماعية والإقليمية والثقافية والقومية.
فلا يشعر اللبنانيون أن ما يحصل لعبة نفوذ لطرق إقليمي، أو مشروع أيديولوجي، أو طموحات وتطلعات خاصة بحزب أو محور، تحمل لبنان فوق طاقته وإمكاناته، بحيث تكون المواجهة انتحارا للبنان واستثماراً سهلاً ومربحاً لغيره. ولا يكتشف اللبنانيون، أن عملية المواجهة تدار داخل أروقة أمن قومي لدولة إقليمية، ولا يتبين لهم أن مواجهات الجنوب اللبناني ورقة استثمار وابتزاز في آن، لصالح دولة إقليمية في حلحلة مآزها الكبرى.
هي أسئلة واستحقاقات، استفقنا كلبنانيين على خطورتها وجديتها منذ حرب العام 2006، وبدلاً من المسارعة إلى تداركها، والتداوي من أعطاب التنكر لها، إذا بنا نتجاهلها ونصر على تغييبها، لنكرر الخطأ والكارثة مرتين.

