رحب الأمين العام لـ”حزب الله” السيد حسن نصرالله بالحرب، وقال “أهلا وسهلا بها”، ترحيب مشروط بتوصيف، أورده عن الانهيار النفسي والجسدي في المجتمع والجيش في اسرائيل، بالتأكيد لم يكن نصرالله يهدد بأنه هو من سيقوم باعلان الحرب، بل كان يرد على ما وصفه من تهديدات وتحذيرات مبعوثين، نقلوا الى لبنان كلاماً اسرائيلياً ينطوي على تهديد بالحرب على لبنان، وكان آخرهم الموفد الأميركي آموس هوكستين، الذي نقل افكارا حول تسوية ممكنة، ونصح لبنان بانتهازها في هذه المرحلة، تفاديا لتطورات قد تنتج ظروفاً، تحول لاحقا دون نجاحها.
الرأي العام الاسرائيلي خائف من الحرب مع لبنان، كما قال نصرالله، والجيش الاسرائيلي يعاني العديد من جنوده من “إنهيار نفسي” كما وصف، في المقابل لم يأت على ذكر الشعب أو الرأي العام اللبناني، ولم يرد على لسانه اي دعوة الى اللبنانيين، تساهم في صمودهم وتماسكهم، ولم يطالب الدولة التي تحدث فعليا باسمها، بأي خطوة لتوفير شروط الصمود والتضامن وسبل الاغاثة، فيما لو قامت الحرب التي كان يرحب بها اشد ترحيب.
قد يقول قائل، ان ترحيبه هو في سبيل لجم وقوعها وقد يصح ذلك، لكن لجم الحرب قد لا يحتاج الى هذا الخطاب، بقدر ما يتطلب خطوات تقنع اللبنانيين، بأن ما يقوم به “حزب الله” من مواجهات في الجنوب هو في سبيل لبنان اولا، ولم يكلف الحزب نفسه بالسؤال مثلا، عن خطة مواجهة احتمالات الحرب، إغاثيا، وما هو تقييمه بعد مئة يوم من المواجهات في الجنوب، لسبل مواجهة نتائج النزوح، وكيف هي احوال الذين تضررت مصالحهم الاقتصادية والتجارية، وما هي احوال الطلاب والمدارس في تلك المناطق الواقعة على التخوم، ما هي احوال المزارعين وغيرهم، من الذين نزحوا من قراهم وباتوا اليوم في حال من الاختناق؟!.
اسئلة كثيرة معلنة ومكتومة على هذا الصعيد، لا تجد اآذاناً صاغية، ولا عقولا تنشغل في مواجهة التردي، الذي يطال أحوال الناس في “البيئة الحاضنة”، وبالتأكيد ما يتجاوز هذه البيئة الى عموم اللبنانيين.
قد يبقى “حزب الله” وهو المنتصر الوحيد، طالما كان معيار النصر لديه ان تبقى رايته الصفراء مرفرفة ولو فوق الركام
كما ان الاستهانة باستمرار الفراغ الرئاسي، وربطه بنهاية احداث غزة، يفسر كيف تفكر السلطة، وعلى رأسها “حزب الله”، بالاستثمار في الفوضى وادارتها، وكأن الفوضى هي الوسيلة للانتصار على العدوان الاسرائيلي، فعندما تصبح معايير الانتصار مرتبطة بعدم انتخاب الرئيس، ومنع قيام حكومة مكتملة الشروط، وبعدم انجاز خطة سياسية رسمية ودبلوماسية واقتصادية، وبتكوين سلطة رسمية مكتملة شروط العجز واللامسؤولية، يمكن ان تقدير المدى التخريبي الذي وصل اليه كل اللبنانيين، ومدى الاستهانة بالرأي العام وحقوق المواطن ومتطلباته الدنيا.
الحرب ليست عنوانا للترحيب ونتائجها، وفيما لو تقررت لن يكون لبنان قابلا للبقاء والاستمرار، قد يبقى “حزب الله” وهو المنتصر الوحيد، طالما كان معيار النصر لديه ان تبقى رايته الصفراء مرفرفة، ولو فوق الركام وعلى ضفاف نهر من الدماء.
طالما الحاكم لا يعتبر نفسه مسؤولا امام شعبه، وطالما ان حقوق المواطن لا تحترم بل تنتهك كل يوم فمن الطبيعي ان يصبح الترحيب بالحرب امراً استنسابياً
ما وصل اليه لبنان المتداعي، هو ان سلطة الخراب التي يقودها “حزب الله” في السياسة والأمن والادارة والاقتصاد، تعتقد بانها قادرة على الصمود، لا بل على هزيمة الكيان الاسرائيلي، الذي يستطيع شعبها الخائف ان يسائل ويحاسب، وان يفرض على حكامه الانصات له، وفي المقابل فان لبنان لا يملك شعبه هذه السلطة، وطالما الحاكم لا يعتبر نفسه مسؤولا امام شعبه، وطالما ان حقوق المواطن لا تحترم بل تنتهك كل يوم، فمن الطبيعي ان يصبح الترحيب بالحرب امراً استنسابياً، وقرارا لا يكلف صاحبه سؤال او مساءلة فضلا عن المحاسبة.. وجل ما فيها.. “لو كنت اعلم”!

