مهما كانت النتائج العسكرية لحرب غزة، فهنالك معطيات ثابتة لمشهد ما بعد الحرب، لا يمكن القفز فوقها أو تجاهلها. ما يجعل من هذه المعطيات الثابتة، إطاراً ومرتكزاً لأي رهان عقلاني أو حل سياسي موضوعي.
أول هذه المعطيات أن الحسم العسكري، على فرض حصوله لصالح إسرائيل، لن ينهي قدرة الفصائل المسلحة على إعادة تشكيل نفسها من جديد وبطريقة أكثر فعالية وتنظيماً وإمكانات قتالية. بخاصة وأن القتل إلى حد الإبادة بحق فلسطينيي غزة سينتج جيلا كاملا من المتطوعين الناقمين والمندفعين، إضافة إلى الزخم الذي حصدته “حماس” بعد عملية طوفان الأقصى في الجمهور الفلسطيني، بعدما أثبتت العملية جدوى العمل المسلح في إرباك إسرائيل وتهديد أمنها. فالرهان على الحسم العسكري بالنسبة لإسرائيل، عبارة عن أفق مسدود، واستمرارية لدوامة العنف المدمر. هو استسلام لوهم وليس تعامل مع واقع فعلي.
الحسم العسكري على فرض حصوله لصالح إسرائيل لن ينهي قدرة الفصائل المسلحة على إعادة تشكيل نفسها من جديد
ثانيها، أن الحسم العسكري لصالح إسرائيل، لن ينهي أو يشتت القضية الفلسطينية، بصفتها قضية شعب وأرض وكيان. قد يصرف الكيان الإسرائيلي الأنظار عنها، وقد يتجاهلها، وقد يمارس أقصى أدوات القمع، لكنه لن ينهيها أو يشتتها أو يميتها. بل إن المردود الإعلامي والسياسي في حرب غزة، كان لصالح القضية الفلسطينية، رغم الجهد الإعلامي المركز من قبل أجهزة الدعاية الإسرائيلية في العالم. فالقضية الفلسطينية، بذاكرتها وهويتها وإمكانات شعبها، تحمل جميع المواصفات الموضوعية، ليكتب لها البقاء والحياة، مهما طال الزمن. ولعل حرب غزة، أيقظت إسرائيل من سبات اصطفائها الإلهي وأوهام تفوقها العسكري، ونبه صناع القرار في العالم، إلى أن تأجيل ملف القضية الفلسطينية، بات أشبه ببركان متفجر قابل لزعزعة استقرار المنطقة، وإحداث خلل هائل في توازناتها.
الحسم العسكري لصالح إسرائيل لن ينهي أو يشتت القضية الفلسطينية
ثالثها، أن الانتقال إلى مستوى سياسي متقدم في القضية الفلسطينية، لن يتم إلا عبر شرعية كيانية للشعب الفلسطيني، وليس عبر تنظيمات فرعية. أن تستمر مسألة النضال الفلسطيني، ساحة تنافس وصراع بين تنظيمات وميليشيات فلسطينية، فإن هذا يبقي المسألة الفلسطينية في حالة تشتت وتفتت، وفي وضعية مزايدة ورفع سقوف غير واقعية، لحصد تأييد شعبي واسع. وحين يحقق تنظيما معيناً إنجازا أمنيا أو سياسيا، فإن مردود هذه الإنجاز يعود لصالح هذا التنظيم، ليتمكن من تعويم برنامجه السياسي ومشروعه الأيديولوجي، الذي لا يحمل بداخله صيغة حكم أو نظام حياة، بقدر ما هو أقرب إلى خطاب تعبوي وصياغات دينية انتقائية، وأهداف وغايات غير واقعية، يعوضها الرهان على المعجزة والتدخل الغيبي.
أما تأسيس شرعية فلسطينية، تتوحد بداخلها القدرات، وتتمأسس عبرها صناعة القرار، وتمنح الفرص لأكثر مكونات الشعب الفلسطيني في المشاركة، فإن هذا يسهم في عقلنة النقاش الداخلي، وفي تحويل التعدد السياسي، من مشكلة صراع إلى وفرة وفائض في الإمكانات، وفي التعود على الممارسة الديمقراطية، وفي بلورة تصورات، لا باعتماد استراتيجيات فاعلة لدعم القضية فحسب، وإنما في صياغة صور الحياة المقبلة وأشكالها، فيما لو قيض لدولة فلسطينية كاملة السيادة أن تتحقق.
فالقضية الفلسطينية، ليست مجرد تحرير أرض أو حماية مقدسات، بل هي في صلبها نمط حياة وقيمة إنسان ومشروعية سلطة. وهي مسائل ليست عرضية وعلى هامش القضية، بل بمثابة غايات تدخل في صميم معنى الحق والمصير الفلسطينيين. بالتالي لا تتحمل التأجيل أو الإرجاء، كونها بوصلة النضال الفلسطيني، وخلفية لأي قرار أو خيار أو برنامج عمل راهن أو قادم.
رابعها، أن القضية الفلسطينية بجوهرها قضية عربية، أي يرتبط مسارها ومستقبلها، وحتى قابليتها لتحقيق كيانها المستقل، بشبكة المصالح العربية، وبالغطاء وحجم الإسناد والدعم، الذي يوفره المجال العربي للدفع بهذه القضية إلى الأمام. هذا ليس وجدانيات، بل واقع جيوسياسي، ومعطى اقتصادي، وحقيقة ثقافية وتاريخية، تتصل بهوية الكيان الفلسطيني. ما يجعل من عروبة فلسطين ثابتاً، وأرضية لكل استراتيجيات التحرير، أو خطط النضال أو صور العيش المتوقعة والمأمولة.
صحيح أن للقدس مكانة دينية خاصة لكن القدس ليس مكاناً معزولاً ومنفصلا عن شعبها
صحيح أن للقدس مكانة دينية خاصة، لكن القدس ليس مكاناً معزولاً ومنفصلا عن شعبها، والروح وطرق العيش التي أسبغها على هذا المكان. فالقدس معلم ثقافي وحضاري لشعب، وقداسته تتبدى في الإرث والذاكرة، وتراكم الخبرات الإنسانية التي تتابعت عبر السنين، وصنعت هوية إنسانية خاصة للقدس، فلم تعد القدس مجرد مكان لممارسات طقسية خاصة. بالتالي لا يمكن اختزال فلسطين، بشعبها وذاكرتها وهويتها، بالقدس، ولا يمكن في الوقت نفسه عزل القدس، وفصلها عن إرث الشعب الفلسطيني. فالقدس حقيقة ثقافية، بقدر ما هي حقيقة دينية. أقول هذا، لأحذر من التوظيفات الدينية الخالصة لمسألة القدس، ومن اعتبار تحريرها من منطلق ديني خالص، غير متصل بروحية شعب، أو بيئة ثقافية خاصة أو تراث مخصوص. فالواجب الديني لتحرير القدس، جزء لا ينفصل من الواجب الوطني.
ثابت هوية فلسطين العربية، هو لأُنَبِّه من جهة، من خطورة تراخي صناع القرار في المجال العربي، في عدم اعتبار المسألة الفلسطينية أولوية استراتيجية وإنمائية. إذ قد يغري الفراغ الذي يولده المجال العربي، فرصة اختراق سياسي وأمني، لعديد من الدول المحيطة ذات الطموح التوسعي. ولأنبه من جهة أخرى، الفصائل الفلسطينية المتنوعة، من أن إخراج ملف غزة أو فلسطين من الغطاء العربي، أو حتى إشراك دول غير عربية في خيارات ومصير هذا الملف، هو في الحد الأدنى، حرف القضية الفلسطينية عن سيرها الطبيعي والمنطقي وطمس لهويتها، وفي الحد الأقصى انتحار سياسي.
طوفان الاقصى” حرك راكداً وأخرج قضية شعب من العتمة والنسيان
لا شك أن “طوفان الاقصى” حرك راكداً، وأخرج قضية شعب من العتمة والنسيان، وأظهر قدرات وإمكانات استثنائية في الشعب الفلسطيني، صدمت إسرائيل والعالم بأسره. لكن ذلك كله هو نصف الطريق في جني الثمار وتحقيق مكاسب ملموسة، أما النصف الآخر، فهو أبعد من مجرد اعلان انتصارات خطابية، بقدر ما هو إعمال العقل والحكمة، في إدراة المعركة السياسية المقبلة. وهذا يكون لا في السقوف المستحيلة، بل في ملائمة التوقعات مع معطيات الواقع، وما يوفره من إمكانات.

