وجيه قانصو يكتب ل«جنوبية»: النظام اللبناني في أعطابه التأسيسية

وجيه قانصو
يخص الدكتور وجيه قانصو «جنوبية» بمقال أسبوعي ينشر حصرياً على صفحات الموقع ومنصاته.

  
 عجز الدولة عن الحد من الانسداد السياسي المزمن، وعن رفع حالة اليأس والاستياء التي يعيشها اللبنانيون، يجعل التفكير ببدائل جديدة وعملية لصيغة النظام اللبناني، مسألة منطقية وعملية مشروعة. هذا لا يعني التخلي عن القناعة بأن النظام الحالي، بفكرته التأسيسية ونصوصه الدستورية، كان له الدور التاريخي في تشكل الكيان اللبناني، وفي نجاح التجربة اللبنانية بل إظهار فرادتها وتمايزها على جميع التجارب العربية لفترة طويلة. فالتفكير بالبدائل بعدما يكون النظام الحالي قد استنفذ أغراضه، هو مسعى لاستكشاف الإمكانات، والتقدم خطوة إلى الأمام، لغرض استيعاب المتغيرات والتحولات من جهة، وتحرير الواقع لا من الأزمات الراهنة فحسب، بل من مولداتها العميقة من جهة أخرى. وهي مولدات ذات طبيعة بنيوية، تتجاوز إرادة الفاعلين السياسيين ونواياهم، نشاطاتهم وتحالفاتهم.

التفكير بإنتظام سياسي بديل لا يبدأ من الفراغ بل تكون تجربة النظام السياسي الحالي في ماضيه وحاضره

 التفكير بإنتظام سياسي بديل، لا يبدأ من الفراغ، بل تكون تجربة النظام السياسي الحالي، في ماضيه وحاضره، نجاحاته وإخفاقاته، خلفية موجهة ومرشدة، لتحديد الوجهة والكشف عن الخيارات الممكنة. فالتغيير السياسي لا يحصل بالقطيعة الحادة مع الماضي والحاضر، بل بالتحول الجذري والإنتقال السلس في آن، باتجاه شروط انتظام جديد. وهذا يكون بالتعرف على الإقفالات المحكمة التي يعاني منها النظام، والكشف عن الأعطاب الأساسية التي غفلها المؤسسون والمشرعون، أو استهانوا بخطورتها أو عجزوا عنها.

عطبان أساسيان كانا لصيقان بفكرة الكيان اللبناني، وتم إظهارهما بقوة في صيغة النظام السياسي ونصوصه الدستورية. هما عطبان لم يستطع النظام الحالي تجاوزهما أو التحرر من تبعاتهما، واكتفى المؤسسون والمشرعون بالإشارة إليهما، وإرجائهما برجاء توفر الشروط الملائمة لتجاوزهما:أول هذين العطبين، أن النظام لم يكن وليد إرادة مجتمع قائم، أو نتاج عقد اجتماعي بين أفراد، أو استجابة لتطور ثقافي وسياسي، بل كانت الصورة معاكسة، وهي أن النظام هو الذي أنتج المجتمع، أي جاء المجتمع استجابة لفكرة تأسيس كيان، يحتوي على مكونات دينية متعددة ومتنوعة.

هذا ينسجم مع الذهنية الفرنسية الراعية لتأسيس الكيان اللبناني، التي ترى أولوية الدولة على المجتمع، وأن قيام الدولة يكفل نشوء المجتمع وليس العكس. فالكيان السياسي بحسب التفكير الفرنسي، حقيقة عقلية لا تاريخية، وهو سابق على الحقيقة المجتمعية. ومع نشوء الكيان السياسي، فإن الدولة كفيلة بتوليد هوية جامعة وقيم مشتركة عابرة للخصوصيات والهويات الفرعية. الدولة أولا والمجتمع يأتي ويتشكل بالتبع.الذي حصل أن النظام السياسي في لبنان، لم يكتف في النظر إلى المكونات المذهبية، جزءً من نسيج المجتمع، بل اعتبرها جزء من الكيان السياسي نفسه، وعناصر أصيلة وجوهرية فيه. الأمر الذي حول الهويات الفرعية من هويات ثقافية ودينية إلى هويات سياسية، تكون أساسا للولاءات والتضامنات السياسية. ما جعل الطائفية من ثوابت النظام اللبناني، وأرضية رافعة للحياة السياسية وصناعة القرار العام.

عطبان أساسيان كانا لصيقان بفكرة الكيان اللبناني وتم إظهارهما بقوة في صيغة النظام السياسي ونصوصه الدستورية

تجلى هذا، في الأطروحات التأسيسية لفكرة الكيان السياسي اللبناني، مثل تنظيرات ميشال شيحا وكمال الحاج. فميشال شيحا اعتبر أن الطائفية ظاهرة طبيعية بنيوية، وشكل من أشكال الحضارة، وهي عنوان خصوصية لبنان وتفرده، بل رأى في لبنان فيدرالية طوائف، مثلما سويسرا فيدرالية كانتونات، وأن مجلس النواب ليس سوى مجموع وجهاء الطوائف، الذي يتعين عليه تطبيق قواعد التوازن، بين الطوائف اللبنانية المتشاركة في العيش المشترك. أما كمال الحاج فقد اعتبر أن لبنان قوامه طائفية ضاربة في جذورنا، وأن عظمة القومية اللبنانية، تنبثق من كونها طائفية تجمع بين دينين كبيرين، تحت جناح أخوة روحانية سامية، بحيث “إذا زالت الطائفية زال لبنان وزالت العروبة معه”.  

طبعاً لم يقصد شيحا والحاج من الطائفية، العصبية النابذة والصراع على السلطة والنفوذ، وإنما بصفتها ملتقى إرث روحي وحضاري، يجعل من لبنان نموذج تمايز عن محيطه، وفرادة في ذاته. بيد أن هذا المنحى من التفكير، لم يفصل بين الهوية الدينية والهوية السياسية، أو بين العمق الثقافي والقيمي للمجتمع من جهة،  وقواعد الانتظام السياسي التي تقوم جميعها على اعتبارات عقلية وأصول فلسفية، تتصل بحقيقة الدولة ومفهوم المجال العام، بالمعنى الحديث من جهة أخرى. هو تداخل تسبب بضبابية معنى الدولة وهشاشة وعرضية وجودها، وصيرورة الطائفة ومجموع الطوائف حقائق جوهرية وأزلية، تعلو حقيقة الدولة نفسها وتتقدم عليها، بل باتت الدولة بصفتها فيدرالية طوائف، تتقوم بالطوائف وتستمد من هذه الطوائف فكرتها، ومسوغ وجودها وبقاءها. 

هذا الفهم، مثَّل خلفية عميقة في تأسيسات النظام السياسي، ترجمت نفسها في مبادىء التمثيل، وقواعد توزيع السلطة وعملية القرار السياسي. حيث تم تقسيم السلطة وتوزيع المواقع فيها، بطريقة تناقض وحدة الدولة وبساطتها، وسلاسة صناعة القرار فيها، وتحول دون استمرارية غير مضطربة لمواقعها الدستورية. كذلك فقد تم ابتكار مصطلح العيش المشترك، الذي فُسِّر وما يزال يُفسر، لا بصفته دافعاً لبناء اختبارات عيش واحدة، بل بصفته دالاً على تعايش مكونات غير متجانسة، في ثقافتها وقيمها وروابطها، وأنماط عيشها داخل بقعة جغرافية واحدة. ما جعل عبارة “لا شرعية لأية سلطة تناقض ميثاق العيش المشترك” الواردة في الدستور اللبناني، تفهم وتتداول، بمثابة الجدار الحديدي العازل، بين الأفراد المنتمين إلى طوائف وأديان مختلفة، لا بصفتها دافعاً ومحفزاً، لإيجاد تضامنات ومساحات عامة وراء الأطر الطائفية. 

ثاني هذه الأعطاب هو التداخل المحكم بين مفهومي الدين والدولة.

هذا التأسيس، حوَّل الطائفة إلى مؤسسة سياسية ومرجعية قيمية، تملك كامل الوصاية على المنتمين إليها، الأمر الذي حال دون بناء علاقة مباشرة بين الدولة والفرد. فالطائفة تقع وسيط إلزامي بينهما، بحيث يكون كل ما يصدر عن الدولة يمر عبر الطائفة، بممثليها ومؤسساتها الدينية، ليصل إلى الفرد، وكل مطلب أو حق يتوقعه الفرد من الدولة، تكون الطائفة هي القناة الملزمة والضرورية، لإيصاله إلى الدولة أو تحصيله منها. هي وضعية خلقت حالة اغتراب بين الدولة والفرد، وعزلة مبرمة بين فرد من طائفة وفرد من طائفة أخرى، ما تسبب بتقدم سيادة الطائفة على سيادة الدولة.  

ثاني هذه الأعطاب، هو التداخل المحكم بين مفهومي الدين والدولة. وهنا لا أتحدث عن الدين بصفته مكوناً طائفياً أو مُعبِّراً عن هوية خاصة، بل بصفته مرجعية تشريعية وقضائية في تنظيم شؤون الأفراد والجماعات. فإذا كانت الطائفة مرجعية التضامن والولاءات السياسية، فإن المضمون الديني داخل كل طائفة، بات مرجعية تشريعية وقانونية في تنظيم حياة الافراد وعلاقاتهم. وهو ما عبر عنه بقانون الأحوال الشخصية. الذي يضع الفرد بين مرجعيتين قانونيتين مختلفتين، أحداهما مدنية وثانيهما دينية. ما أدى إلى تولد ثنائية الدين والدولة، بصفتهما مؤسستين ذات سيادة وسلطة مستقلتين عن بعضهما البعض. 

 ورغم أن الدستور اللبناني ينص على أن “حرية الاعتقاد مطلقة”، إلا أنه لم ينشىء حيزاً قانونيا وتشريعياً واضحاً لحرية الاعتقاد، والتي تعني ضمنا، حق الفرد في أن يعتقد وأن لا يعتقد أيضاً، وحقه في الخضوع لتشريع مدني يرتضيه لنفسه، حتى لو كان ينتمي إلى ملة أو دين مخصوص. هذا الفراغ، استطاع نظام الملل ملئه، بإلزام الافراد الذين ينتمون إلى ملة أو مذهب معين، بالخضوع لأحكام ملتهم وسلطة مؤسساتهم الدينية، بعد أن نص الدستور على أن الدولة “تحترم نظام الأحوال الشخصية والمصالح الدينية”. وهو نص بات بمثابة المؤسس لسلطة مؤسسات الدين داخل الدولة، لا بصفته نصاَ ضامنا لحرية الاعتقاد.  

غياب القانون المدني الناظم للأحوال الشخصية، قيد مبدأ حرية المعتقد الذي نص عليه الدستور، وخلق حالة لاتساوي inequality وعدم تناسق nonuniformity في خضوع الأفراد للقوانين العامة. ورسخ أيضاً سلطة المؤسسات الدينية، لا بصفتها راعية للعبادات والطقوس فحسب، وإنما بصفتها مؤسسة تشريعية وقضائية، وصاحبة سلطة أمر ملزم للدولة والأفراد، داخل حيز واسع من حياة الفرد وعلاقات المجتمع. هو أمر ولد سلطة منافسة لسلطة الدولة بل مقيدة لها، بل قوض مفهوم الدولة الحديث، بصفتها صاحبة الحق الحصري في الإكراه المشروع، أي المرجعية الحصرية في إدارة كل ما يتعلق بالشأن العام. 

رغم أن الدستور اللبناني ينص على أن “حرية الاعتقاد مطلقة” إلا أنه لم ينشىء حيزاً قانونيا وتشريعياً واضحاً لحرية الاعتقاد

 الأعطاب التي ذكرناها والآثار الناجمة عنها، تشكل بوصلة جلية للخيارات الجوهرية، في ورشة إصلاح النظام السياسي في لبنان. والتي تتمثل في استعادة مفهوم الدولة، كحقيقة عقلية وذات وظيفة ومهام محايدة، ومستقلة عن أية سردية دينية، وفي فصل السلطات داخل الدولة، للحؤول دون ظهور الإستبداد وتجذره، وليس قسمتها وتقطيعها أشلاء لضمان مصالح الطوائف بداخلها، وفي رفع الحواجز والسدود الاجتماعية والتضامنية والتشريعية بين اللبنانيين، وفي إيجاد مجتمع ذي طبيعة مدنية عابرة للخصوصيات المذهبية، وفي إعادة التكوينات الطائفية إلى أصولها الطبيعية والمنطقية، بعدما اتخذت وضعية متضخمة ومدمرة للحياة العامة، وفي تحرير الفرد من إملاءات انتماءاته الفرعية وإكراهاتها، وفي تأسيس مجال أو فضاء عام، تكون إرادة الفرد الحرة، أساس أي مظهر تضامني أو نشاط سياسي فيه. 

السابق
«جماعة القربان» غلاة شيعة عراقيين يروجون للانتحار.. هل علي فرحات اول ضحاياها في حارة حريك؟!
التالي
أسعار جديدة للمحروقات!