بغياب حبيب صادق، يفقد لبنان عامة والجنوب خاصة، أحد أبرز علاماته الثقافية والسياسية النقية لسنوات طويلة، هذه المكانة التي إحتلها بجدارة وإستحقاق، نتيجة إلتصاقه الصادق والحقيقي بأرضه ومجتمعه وناسه دون تزلف أو غرور، فكوَّن صورة صادقة وحقيقية على مدى نصف قرن من الزمان عن الجنوب وأهله، وثقافته العربية المعتدلة والمنفتحة على كل التيارات الفكرية، سواء الدينية منها أو الدنيوية، المتعددة المدارس والمشارب والتوجهات في السياسة والفكر والفقه والأدب.
هذه الصورة التي إفتقدناها تدريجياً منذ منتصف ثمانينات القرن الماضي، عندما وقع الجنوب نتيجة الحروب المتكررة والإحتلال والصراعات الإقليمية، معطوفة على التجييش والإستثمار في الخوف من الآخر، في ظل حرب أهلية داخلية وتغييب الإمام موسى الصدر، وقع في قبضة ثقافة مغايرة أحادية النظرة شمولية الفكر، ولكن بفكي كماشة أطبقت عليه، من خلال حرب ضروس خاضتها فيما بينها، ودفع بسببها الكثير من دماء شبابه من ناحية، وهجرتهم من ناحية أخرى، قبل أن تقضي المصالح الإقليمية، بأن ترسو الأوضاع على تهدئة وتسوية، تدَّعي ثنائية سياسية وشخصية.
غياب حبيب صادق الجسدي خسارة معنوية ورمزية كبيرة لهذه الثقافة في وقت نحن بأمس الحاجة للحفاظ عليها من التراجع أمام المد الأصولي الشمولي
فيما هي في الواقع أحادية، تهيأت لها من الإمكانيات، ما جعلها تمتلك قوة الترغيب والترهيب، ما مكنَّها من فرض نظرتها وسلوكها على غالبية المجتمع، ورفض أي فكر مغاير يشكِّل تهديداً حقيقياً لها، حد أنها لم تستطع أن تتحمل إنسان راقٍ في سلوكه الإجتماعي وفكره السياسي المعتدل والنظيف كحبيب صادق ، هو الذي تقبَّلها وحاول التعامل معها على قاعدة الإعتراف والإحترام المتبادل وإئتلف معها في إنتخابات العام 1992 ، إلا أن فكرها الشمولي السلطوي كان أضعف من أن يتحمل فكر سياسي له بُعد ثقافي، كان يتحلى به ويمثله عبر المجلس الثقافي للبنان الجنوبي الأستاذ حبيب صادق، الذي كان أحد مؤسسي هذا الصرح الثقافي الكبير، الذي عرَّف بالكثير وأطلق الكثير من مثقفي جنوب لبنان، الذين طبعوا المشهد الثقافي الجنوبي واللبناني، مدة تقارب نصف قرن من الزمان.
إقرأ ايضاً: مايا ادمون نهرا تنعى حبيب صادق.. جزء من تاريخ أهلنا ونضالاتهم
ولا يزال الكثير منهم حتى اليوم يجهدون للحفاظ على الشخصية الجنوبية، بطابعها وثقافتها العربية والإنسانية، البعيدة كل البعد عن الثقافة المعلَّبة والأحادية الطابع، لهذا يُعتبر غياب حبيب صادق الجسدي، خسارة معنوية ورمزية كبيرة لهذه الثقافة، في وقت نحن بأمس الحاجة للحفاظ عليها من التراجع، أمام المد الأصولي الشمولي.
كوَّن صورة صادقة وحقيقية على مدى نصف قرن من الزمان عن الجنوب وأهله وثقافته العربية المعتدلة والمنفتحة على كل التيارات الفكرية
رحم الله الكاتب والشاعر والسياسي والإنسان حبيب صادق، الذي نعاه الكثيرون اليوم وأجمعوا على جعل إسمه صفة له، فودَّعوه بلقب الحبيب الصادق، الأمر الذي يدل على كبير الأثر الذي تركه هذا الإنسان الكبير، في حياة لبنان الثقافية والسياسية ، على أمل أن يستعيد لبنان ومن ضمنه الجنوب في سنواته المقبلة، وجهه الحقيقي ودوره الإنساني على كل الصعد ليعود كما كان، منارة للثقافة والعلم والحرية..

